إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث محمد المريمي

إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث

الجزء ١ · صفحة ٢٧٩

بكر ابن المرحوم على المغربي الوارسني نزيل الثغل المذكور (الأسكندرية) في مطالبه مالها من الأجل عن أماكنها الكائنة بمدينة جربة ببلاد المغرب بحارة مستاوة (كذا)» (507). وأعلنت المرأة من خلال هذه الوثيقة إلى إدارة المحكمة بالإسكندرية انتماءها إلى المذهب الإباضي المستاوي. وفي البلاد التونسية لم يكن تعامل السلطة المركزية مع أهل جربة على أساس تقسيمهم إلى أباضية وهبية وأباضية مستاوة واعتبارهم خوارج إلى حد القرن 18 إلا نتيجة لانتسابهم المعلن إلى تلك المذاهب الدينية (508). وكان ذلك الإنتماء يعبر عن خضوعهم إلى هياكل نفوذ محلية تعلن بدورها عن انتماءها إلى المذهب الإباضي وكان يتزعمها آنذاك آل بن جلود مشايخ جربة وتتجسد في نظم العزابة الوهبية

والمستاوة.

(509)

السلطة

وبداية من عهد حمودة باشا وعلى امتداد القرن 19 ومع ما حدث من انشطار في نظام العزابة لأباضية جربة لم يعد أهل جربة» يتعاملون مع السلطة المركزية بتونس على أساس الانتماء إلى المذهب الإباضي بل توخوا سياسة مداهنة (بمعناها اللغوي) تقوم على خطاب معلن وخطاب ثان ذاتي. فقد وفد «أهل جربة على الباي حمودة باشا بعد استرجاعه للجزيرة من جيش علي برغل سنة 1794 على أساس اعتبارهم (جرابة) لا على أساس أنهم «خوارج» ينتمون إلى المذهب الإباضي وأصبح أهل جربة» من خلال مراسلاتهم مع المركزية بتونس خلال القرن 19 يخاطبون أعوانها وخاصة البايات الحسينيين كجرابة لا كإباضية (أو) كخوارج في حين لم يتخلوا عن تعاملهم فيما بينهم على قاعدة الإنتماء إلى المذهب الإباضي، فلقد واصل أعيان جربة اشتراط الانتماء إلى ذلك المذهب على مستوى سوق العمالة التي كانت بأيديهم وواصل المحدثون من أهل جربة خلال القرن 19 اتخاذ الخبر المتعلق بالأباضية مركزا لأخبارهم شأنهم في ذلك شأن من سبقهم من أمثالهم في القرون الماضية مثل الحيلاتي وغيره (510). كما لم يتخلوا عن إقامة شعائرهم الدينية وفقا لنفس الممارسات ولم تكن روابط القرابة الحقيقية (الدموية) وروابط القرابة الأخرى مثل الجوار في القرن 19 بالنسبة إليهم سوى روافد هامة مدعمة للانتماء المذهبي مثلما كان الأمر في القرون السابقة. وكانت التجارة قطاعا متميزا بالنسبة إلى أهل جربة لأنه أهم مصدر من مصادر ثروتهم ومكنهم من كسب قوة سياسية في تعاملهم مع السلطة المركزية بتونس. واخترق التفكير المذهبي إلى حد القرن

279