إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ٤٢١الخاتمة
لم نتبع طريقة المقاربة الشمولية لدراسة التفكير المذهبي وعلاقته بالواقع السياسي والاجتماعي بجزيرة جربة من منتصف القرن السادس عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر بل اتبعنا طريق بحث ذات اتجاهين اثنين في الأساس مسايرة للواقع الفعلي الذي كانت تعيشه مختلف الفئات المكوّنة للمجتمع في الجزيرة
آنذاك.
تضمن الاتجاه الأوّل رؤية المجتمع الجربي» من الداخل انطلاقا من التفكير المذهبي الإباضي الذي كان يرمز للسيطرة المحلية على بادية جربة ويتجسّد هذا الاتجاه في هيمنة المجموعة الإباضية الوهبية على القوى الاجتماعية والسّياسيّة الأخرى المتكوّنة من مجموعة الإباضية المستاوة والأقليات (يهود ومالكية وحنفيّة … ) التي كانت تعيش معها وكانت ذات ثقل اقتصادي مطابق لأحجامها السكانية ومجالاتها الجغرافية.
وتضمن الاتجاه الثاني رؤية المجتمع الجربي من الخارج انطلاقا من التركيز على المذهب المالكي الذي يبرّر سياسة تسعى إلى بسط سيطرة النفوذ المركزي في الجزيرة من خلال امتداد هياكله ومؤسساته داخل المجتمع الجربي ومجاله الجغرافي بالاعتماد على الفئات الاجتماعية المالكية والحنفية وبهدف إضعاف المجموعات المشتتة من سكان الأطراف وتحقيق دمجهم في النظام المركزي. وأظهرت هذه الاتجاهات وجود علاقة جدلية بين المجتمع الجربي) الذي: يسعى إلى الحفاظ على الانتساب إلى المذهب الإباضي وتدعيم ميادين نفوذه في الجزيرة عن طريق هياكل إدارية وسياسية محلية وتنظيم يتجسّد في الحياة الجماعوية لأهل جربة» ومراكز سلطة الأتراك العثمانيين في كل من إسطمبول وتونس التي كانت هي بجذورها تسعى في المقابل إلى اتخاذ الإجراءات المختلفة والمتتالية سياسية وإدارية وجبائية لتنفيذ سياسة مركزية عن طريق هياكلها الموروثة عن النظم السياسية السابقة ولا سيما النظام الحفصي أو المحدثة لمحو التفكير المذهبي الإباضي وتجذير المذاهب المالكية والحنفية مكانه. ولم تكن تلك العلاقة الجدلية تخضع إلاّ لميزان القوى بين هياكل محلية
421