إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث محمد المريمي

إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث

الجزء ١ · صفحة ٧٨

صغيرهم فمن أجل ذلك سلّط عليهم الله الظلمة الغشمة واستولى عليهم الأسافل فلم يعرفوا قدرهم ولا قدر علمهم وانتزعوا منهم سلطتهم وهيبتهم ( … ) وهذا آخر زمان لم يعد العلم يوقر ولم يعد لأهله قرارا (كذا) ولا شأن ولم يعلموا أن هذا كله بسوء أفعالهم وعدم اتحادهم وسيرهم على منوال أسلافهم .. … (290)، فحصل خلال القرنين 18 و 19 تغيير أفقي من السوق الكبير نحو الداخل من جهة وتغيير عمودي من السلطة السياسية الكلية نحو بقية المجالات المحلية من جهة أخرى.

وأبرزت لنا دراسة النظم الإدارية الإباضية بجربة خلال العصر الحديث أن الأعيان المحليين (من علماء الدين وأعيان المال كانوا يهيمنون على المؤسسات المحلية وكان يجمع بينهم جميعا الانتماء إلى المنظومة الفكرية الإباضية الوهبية أو

المستاوة.

وتتوزع الهياكل التي كانوا يشغلونها داخل الجزيرة وخارجها. أما وظائفها الداخل فهي بيد علماء الدين الذين تكوّنت من بينهم عائلات دينية في مستوى الحومة والإقليم والطائفة وكانت تقف ضامنة لانتماء أفراد المجموعة إلى المذهب الإباضي وتدعم انتسابهم إليه عن طريق الروابط الدّنيا المزعومة (في الحومة والإقليم) أو الحقيقية (في العائلة) وكانت تتصارع فيما بينها على تولّي المؤسسات الإباضية في مختلف المستويات وتتحكّم في الحياة الجماعوية للمجموعات الإباضية في بادية جربة.

كما تشتمل الهياكل أيضا على أعيان المال الذين كانوا يشغلون مؤسسات في الداخل وفي الخارج. واحتكرت بعض عائلاتهم السلطة السياسية في الجزيرة لفترة غير قصيرة فأمكن لآل السمومني ثمّ لآل بن جلود السيطرة الكلية على كامل الجزيرة بما تحتويه من مجموعات جغر السياسية محلية مختلفة مستغلين ضعف الحفصيين ثم مشاركتهم الأتراك النفوذ في الجزيرة.

وأمكن لنظام العزابة عن طريق هياكله الدينية والسياسية تأطير جميع «أهل جربة» المقيمين في الداخل أو الشتات الموزّعين في الإيالة التونسية أو في مناطق الإمبراطورية العثمانية المختلفة. ويستفاد من اقتصار علماء الدين على الإقامة في الداخل فقط وانتشار أعيان المال الإباضية في داخل الجزيرة وخارجها. إنّ النظام

78