علوم القرآن (مقرر مرحلة الدراسات الشرعية العامة — السنة الثالثة) فضل حسن عباس

علوم القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٨٣

الاستعانة

بهم

كالاستعانة

يتعلقوا بما وراء الأسباب إلا بمسببها سبحانه، ويتضح بهذا أن قوله تعالى: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) متمم لمعنى قوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ لأن هذه هي فزع من القلب إلى الله وتعلق من النفس به وذلك من مخ العبادة، فإذا توجه بها العبد إلى غير الله كان ضرباً من ضروب العبادة الوثنية التي انتشرت في زمن التنزيل وقبله، وخصت بالذكر لئلا يتوهم الجاهلون أن الاستعانة بالذين اتخذوهم أولياء من دون الله واستعانوا فيما وراء الأسباب المكتسبة للناس هي بسائر الناس في الأسباب العامة فأراد الله سبحانه أن يزيل هذا اللَّبْس ببيان أن الاستعانة بالناس في حدود استطاعتهم ضرب من استعمال الأسباب المسنونة وما مثلها إلا كمثل الآلات المستعملة فيها خصت به بخلاف الاستعانة فيهما وراء طاقاتهم البشرية بهم كالاستعانة في شفاء المريض بما وراء الدواء، وعلى غلبة العدو بما وراء العدة والعدد فإن ذلك مما لا يجوز أن يكون إلا بالله تعالى الذي بيده الأسباب والمسببات وهو على كل شيء قدير، وضرب الإمام محمد عبده مثلا لذلك: الزارع عندما يبذل جهده في الحرث والعذق وتسميد الأرض وريها فهو يمارس الوسائل المؤدية مع التوفيق إلى حصول المطلوب، ويستعين بالله تعالى على النجاح طالبا منه منع الآفات والجوائح السماوية والأرضية، ومثل بالتاجر الذي يحذق في اختيار الأصناف ويمهر في فن الترويج، ويتوكل على الله فيهما وراء ذلك، وخلص الأستاذ الإمام من هذا إلى تفنيد حالة الذين يستعينون بأصحاب الأضرحة والقبور على قضاء حوائجهم، وتيسير أمورهم وشفاء، أمراضهم ونماء حرثهم وزرعهم وهلاك أعدائهم وغير ذلك من الأمور التي ليست في استطاعة الأحياء بله الأموات، وقال عنهم:

- 283 -