الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية: مدخل إلى دراسة الآخر المحلي فتحي بوعجيلة [دارس عن الإباضية]

الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية

الجزء ١ · صفحة ١١٨

إنتاجاتهم مادة خصبة يرجع إليها أصحابهم والمخالفون، وبقيت آثارهم ومعالمهم، بفرادتها وخصوصيتها، دالة عليهم.

ولا يكون مبالغة القولُ إنّ جربة التونسيّة تُعرَف بالإباضية، والإباضيين التونسيين بجربة يُعرفون، فهذه الجزيرة الجميلة هي موطنهم الأصيل، وهي ماضيهم وحاضرهم، وهي مصدرهم ومؤردُهم وهي رمز انتمائهم، طبقت، بهم شهرتها الآفاق، وتجاوزت الحدود لتصل البحر بالجبل والصحراء، وتشرق وتغرب عبر الرحلات العلمية والحملات الدعوية، والحركات السياسية، والأنشطة التجارية، في تفاعل دؤوب لا يعرف الركود، وفي تواصل الآخر ممتلئ مرونة وسماحة. إن تاريخ جربة من تاريخ تونس وإرث الجزيرة الإباضي صنوالإرث المالكي في رصيد بلادنا الديني أغنى مخزونها الحضاري بمبادئ عقدية، واجتهادات فقهية، ومقولات سياسية، وعادات ونظم اجتماعية، لم ينقطع أثرها الإيجابي في الأفكار، والسلوك، ونمط المجتمع.

مع

وليس حراك الجربيين الإباضيين العلمي الثقافي، المتعاضد مع الاقتصادي المعيشي، داخل الجزيرة وخارجها إلا دلالة على ميزة هذه الجماعة في علو الهمة، والثقة بالنفس والاعتزاز بالذات والتفوّق، والعمل والإنتاج والقدرة العجيبة على التكيف والصمود وتحدّي المعوقات، وتجاوز الأزمات التي لم تنته منذ سالف العصور.

فكتاب "تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة كان الذاكرة الإباضية لتاريخ تدين إباضية جربة وثروتهم العلمية وهوما قصدناه في عنوان الفصل. فالجزئيات والتفصيلات والروايات والإحالات والنصوص الشواهد، والترجيحات، والتصويبات، كلها تضافرت لتشكل عيّنة في توثيق الإباضية للمسار الإباضي الجربي، وحينئذ يكون التوثيق للتاريخ المحلي. ولكن دون أن يسلم من ردة الفعل تجاه كل من همش إباضية جربة، أووصمهم، أوضيّق

عليهم.

118