الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية: مدخل إلى دراسة الآخر المحلي فتحي بوعجيلة [دارس عن الإباضية]

الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية

الجزء ١ · صفحة ٢٠٩

وقد كان ابن تعاريت أنموذجا، من خلال الكتاب، في احترام المخالف، وحفظ أدب الأخوة الدينية، فلم يواصل في قسوة الردود التقليدية وفظاظتها.

ولا يمكن أن يخطر بالبال أن مؤلّف الكتاب قد ظاهر على تضليل المخالف بتصويب الإباضية، بل المؤكد وكما بيّنا كان مسعاه جادًا في صيانة حرّية التمذهب والاحترام بين المتمذهبين وأن يكونوا مؤمنين أولياء ضد كفار

مستعمرين

6

أعداء.

،

وربما يظهر للبعض أنّ موضوع الكتاب تقليدي، تجاوزه عصر المؤلّف، واندرج في سنة قديمة هي المفاخرة الفرقيّة، وهو رأي وجيه نسبيا. ولكننا نرى أنّ الأمر فيه أيضًا تأصيل للهوية التونسية الثرية.

فإذا أكد

،

شيوخ الزيتونة من معاصري ابن تعاريت و سابقيه وتاليه، على

أن الشخصية الدينية التونسية متكوّنة بالعقيدة الأشعرية ثم الماتريدية، وبالحنفية ثم المالكية أو العكس، وبالفكر الصوفي السنّي، فإنّه من واجب الإباضي أن يذكر، بل يهتف بأنّ الإباضية جزء من الهوية التونسية، أصلتها في انتمائها الإسلامي، وأثرت موروثها بنظريات وأصول وفروع لها من العراقة والوجاهة، ما لنظيراتها الأخرى المتكونة بها تلك الهوية.

فالإباضية ليست بدعة في الثقافة التونسية، وليس من حق أي كان أن ينظر إليها نظرة دونية، وحقيق بالتونسيين غير الإباضية أن يقطعوا مع العادات السيئة التي مارسها بعض الساسة والمتعصبون من فقهاء الدين تجاه "أهل الدعوة والاستقامة".

إنه الدفاع الرشيد عن هُويّة التنوّع والاختلاف، هوية التونسيين جميعا بلا تمييز هوية المالكية والإباضية، معا هوية القطر الواحد المتعدّد في تونس، والجزائر وليبيا، وعُمان، دون السقوط في جحيم الطائفية المقيتة، لأنها لا

تصنع الوحدة ضد الاستعمار.

209