الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية: مدخل إلى دراسة الآخر المحلي فتحي بوعجيلة [دارس عن الإباضية]

الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية

الجزء ١ · صفحة ٢٠٨

والهوان، لا سيما أنها بعيدة عن عاصمة السلطنة، دام ملكها بدوام

الزمان، … ولما فيه من القيام بواجب ديني ووطني .. "".

ومن اليسير الانتباه إلى أثر الفكر الإصلاحي المصري والتونسي في ثقافة ابن

تعاريت وكتاباته.

فهو يدعو إلى نشر التعليم والإقبال على العلوم العصرية، ويكتب عن العلوم الصحيحة أو الصلبة، كما يكتب عن جامع الزيتونة، والمدرسة الصادقية، والجمعية الخلدونية، ويُنكر بدَع الدروشة والأوهام والخرافات، ويُقوّم مفاهيم المعاني الدينية ' بما يشبه موقف معاصريه ورفقائه من المستنيرين 2.

1

نخلص في نهاية هذا الفصل الثاني إلى أنّ التونسي سعيد ابن تعاريت قد لحظته التاريخية، بما لابسها من القضايا والإكراهات، وبما فرضته أو فرض عليها من التحدّيات فهو مؤمن بأنّ حاضر الأمة لا يهمه اختلاف العقائد الإسلامية، وتباين جزئياتها، ولا تنوّع المذاهب ونظرياتها، بل يطلب وحدة المسلمين وطنيًّا وإقليميًّا، وكوْنيًّا من أجل إسلام عزيز مكين، يدفع عن أتباعه مخاطر الهيمنة والاستلاب ويحفظ لهم سيادتهم وأمنهم.

ولا يمكن أن يكون "المسلك المحمود في معرفة الردود" إلا صدى للمشروع الإصلاحي مشرقا ومغرباً، ذلك المشروع الذي ينظر إلى التراث مقوّم نهضة وامتياز، لا مغول تفتيت وتشتيت، والذي يضع في صدارة جدول مشاغله

هموم العصر ومعضلات الراهن، لا المعارك العقدية، والصراعات المذهبية. ولعلّ الإباضية كانوا أحرص الناس على الوفاق والتقارب والتكتل، تحت راية الإسلام بديلاً من التنابز والوصم والتمييز، لأنهم ذاقوا أكثر من غيرهم، مرارة التعصب المذهبي والتهميش والإقصاء.

1 - م. صص 466 - 467

2 - م. صص 15 - 18

1 - م: العزابة وأهل الطرق صص 438 - 452

2 - قارن ما أثبته في كلامه عن الطرق الصوفية وهوما أحلنا عليه في الهامش السابق، بما ورد، مثلا، في "روح التحرّر في القرآن " للثعالبي. صص 57 - 85

208