الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية
الجزء ١ · صفحة ٢٥٠أ- المفهوم والمأمول
يقصر سليمان الجادوي "الصحافة" على أنها الأمر الذي يُبحث فيه عمّا يرفع النوع البشري إلى أوج الكمالات، وسعادة الحياة، ويحلّ عُقد المشكلات. ويعتبرها أنجع دواء لصداع التأخر، وجراثيم الانحطاط، وعلل الكسل، وكلوم الخمول، وأمراض التفرق.
كما يرى الجادوي "الصحافة" رائد العمران ومعجزة العرفان، وموقظة النومان، وقائد الإنسان إلى عيشة الرضوان وهي منبر الأمة، عليها توضع حاجياتها، وترفع شكاياتها، وتنير بالدليل طلباتها، وتقوم بالترجمة الحسنى بين الحاكم والمحكوم وهي التي تبصر الجمال، وتولم الأنذال. تبشر تارة بالخير العميم، وأخرى بالعذاب الأليم سلطانها فعّال، ونورها. مدلال، بها تنهض الأمم إلى شامخ القمم عزا ورفعة، ومجدًا، وهيبة، وبأسا، وشوكة. فمنها انفلق الصدق ونبع الحق، وانتفع الخلق. وهي العضد المتين، والهدى المستبين وهي هيكل يقام عليه أساس الإرشاد. لذلك طار صيتها، وعلا شأنها بين الأمم الحيّة حتى صارت هي القطب الوحيد الذي تدور عليه رحى سياسة الحكومات الأوروبية التي امتازت بمدنيتها ونظامها. وواصل الانقليز منذ احتلالهم لمصر، العمل في ترقية الشعب، وإعطاء الحرية للجرائد العربية بتصييرها في مصاف الصحف الانقليزية من جميع الوجوه "حتى غدوا مغبوطين بين من ساقتهم الأقدار للاستظلال براية بعض الدول، على أن من ينظر لرقيهم ويطالع جرائدهم يندهش من ذلك التقدم السريع، ويحكم بادئ بدء أن بلاد النيل اليوم جزء لا يتجزأ من أوروبا حرية ومدنية ونظاماً …
ويرى من الأدلة على رقي الأمم، إلى جانب وجود الأحزاب السياسية، واحترام التفكير والاجتماع حرية النشر، ورواج الصحف. و"أيما قطر وصلتك أنباؤه وهو في وصف معتبر من حيث حرية النشر وما في معناه، تحكم بأن السعادة مخيّمة فى ربوعه وأن أهله في راحة من الحياة الاجتماعية، وعيش رضي سائرون إلى استكمال ما، نالوه ونوال ما استنقصوه. وبخلاف ذلك
1 - م. ص 42
250