الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية: مدخل إلى دراسة الآخر المحلي فتحي بوعجيلة [دارس عن الإباضية]

الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية

الجزء ١ · صفحة ٤١٩

ولا حاجة بنا إلى التأكيد، بعد هذا وما أسلفنا التوسع فيه، على أنّ سليمان الجادوي الإباضي، علم بارز في تاريخ الصحافة الوطنية، وقلم جريء في المدونة الإصلاحية التونسيّة، وهو حري بمزيد البحث والنظر.

ولعل السكوت عن مثل هذه الإسهامات الإباضية، يرجع إلى عدة عوامل،

نرى منها:

-

عدم

التفات التونسيين إلى الفوارق العقدية بقدر اعتمادهم على عنصر المواطنة، وهذا إيجابي. فلم تلفت انتباههم عطاءات الإباضية الجربيين، لأنها تغلغلت في العمل الوطني الذي تأسس على الكفاح وتحقيق الذات وتحصيل الاستقلال والسيادة ثم انصرف إلى بناء الدولة الحديثة، وتركيز المؤسسات.

والإصلاح

-

وقد كان الإباضيون، في كل هذا، المساندين المخلصين لأعلام النضال، وإن لم يبرزوا بروزًا يجعل منهم منظرين لامعين، وزعماء، وقادة. ظهور التونسيين غير الإباضيين في الصورة، من الكتاب، والمؤرخين، وشيوخ الدين، والمجاهدين، والسياسيين. فكانوا بمثابة الشجرة التي غطت الغابة، والمعبرين عن الأفكار الجامعة التي لا تحمل نزعة مذهبية، في الغالب الأعم. فكان الانصهار التام في هوية وطنيّة إسلامية لا تقبل التجزي ء.

ولكن مع ذلك ترك بعض المؤرخين ثغرة في توثيق تاريخ تونس، حينما استبعدوا الإباضية وكانت بعض المقالات والعبارات الدينية غير سالمة من

،

التعصب وضيق الأفق.

- تواصل نزعة الانطواء والعزلة التي اختارها الإباضية من قرون، ووجدوا فيها الوضع المريح الذي يصونهم عن الجدال والصدام، ويضمن لوجودهم مزيد الاستقرار. فلم يقربوا تراثهم من الآخر المخالف، ولم يرفعوا أصواتهم بالتصويب والتصحيح، ولم يسعوا إلى اندماج أوسع في محيطهم، مع خصائصهم في التفكير والسلوك تؤهلهم لأن يكونوا في صميم الحراك المجتمعي، والأقدر على الأثر الإيجابي.

أن

419