الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية: مدخل إلى دراسة الآخر المحلي فتحي بوعجيلة [دارس عن الإباضية]

الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية

الجزء ١ · صفحة ٧٤

فذهب إلى عرب الأعراض وأرفات الجريد، وجبل مطماطة من بلد الزارات، وقابس والمطوية وما يقربهم من الكفرة والآفات .. " 1

"ومما أدركناه في تولية الشيخ سعيد بن موسى البجلودي أنه يؤثر محبّة للعرب على أهل الجزيرة، وأطلق يديهم على أرزاقهم سرًّا وجهرا أو قهرا. فمن شكى له من أهل الجزيرة من تعدّي العرب فلا يُقيم له وزنًا، ومَن شكى من العرب من أهل الجزيرة فإنه يؤذيه ويحسبه جريمة بعد تأديبه … وبعد ذلك بأيام تحركت الأرياح بإذن الله عند الشيخ عبدالرحمان وقدم إلى الجزيرة وتولاها، وشدّد على أولئك العرب، وأطردهم من الجزيرة بحيث لم يبق منهم إلا من لا يُعْباً به … " 2.

2"

كما نجد المصعبي يتحدّث عن بلاء أهل جربة: "فخلت من بعضهم المنازل والديار، فصارت مسكنا للعرب وأهل البوادي والجبال. فاعتبروا يا أولي الأبصار".

وليس هذا، في رأينا إلا تاريخاً أما حاضر الجزيرة فقد انتظم، قسرًا أو اختيارا، وفق عقلية جديدة تجاوزت بنسبة عالية، الخلفيات المذهبية، وقد ساعدت على التخلص منها بنية الدولة المستقلة الحديثة، ذات القيم المواطنية المتفتحة، ومنظومة القوانين والإجراءات الإدارية والترتيبية التي قضت تدريجيا على رواسب التفرقة والميز والطبقية. ولم يبق من هذا التصنيف المذهبي والعقدي في الجزيرة، إلا الاهتمام بالأعلام والأفكار، والتقاليد، والوثائق والمخطوطات، إذ هي جزء من الذاكرة التونسية إلى جانب التشبث بالانتماء ومظاهره الشعائرية، باعتباره حفاظاً على الهوية، واعتدادًا بالشخصية، وصونًا لتراث متنوع، وصرا على رمزيّة ترفد مقومات الوحدة الوطنية.

ومن المهم أن نشير هاهنا إلى "تراجم المؤلفين التونسيين" لمحمد محفوظ (ت 1408 هـ/1988) الصفاقسي المالكي، الذي عرف فيه بثلة من أعلام إباضية جربة والجريد إلى جانب مواطنيهم المخالفين، وهو تأكيد على أنّ راية

1 الرسائل صص 66 - 67. 2 الرسائل صص 71 - 72.

3 الرسائل ص 102.

74