الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية: مدخل إلى دراسة الآخر المحلي فتحي بوعجيلة [دارس عن الإباضية]

الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية

الجزء ١ · صفحة ٨٦

الجوع الحامية على الاستسلام بعد أن حصلوا على وعد بإخلاء سبيلهم. لكن ما إن استولى المسلمون على الحصن حتى انقضوا على الثمانمائة إسباني المجرّدين من السلاح وفتكوا بهم عن آخرهم وأقاموا بجماجمهم وبعظامهم على شاطئ البحر نصباً تذكاريا جديرًا بهؤلاء البرابرة الهمج. وهاهولا يزال منتصبا منذ ذلك العهد ومن حين إلى آخر يُطلى بالجير. وتقع بجوار هذا الهرم قبور المسلمين الذين سقطوا على أيدي هؤلاء الصناديد. وباعتبار كثافة القبور فإن عدد الضحايا المسلمين لم يكن بالقليل. وتتميز قبور القادة الثلاثة بقباب تعلوها. وقد انتابني وأنا أقف على هذا المعلم اللاإنساني نصب الخيانة والغذر شعور غريب وبدا لي وكأنّ العظام الرمادية تتحرك وكأن الأذرع تمتدّ نحوي، وكأن الجماجم الخاوية تشير إليّ وكل فم يسعى أن يقول لي: رح أيها المسافر، اعبر البحر ورح إلى بلاد المسيح وبلغ أننا لا نلبث منذ قرون طوال نحمل ثقل هذا العار ومازالت عظامنا بدون ضريح يُؤويها لعل صدى ندائك يببلغ أذن أمير تقي فيعمل على ترحيل بقايانا إلى أرض الوطن"

1 "

وبعد هذه الرحلة في س 1251 هـ / 1835 بثلاث عشرة سنة، يأمر المشير أحمد باي الأوّل س 1264 هـ 1848 بدفن عظام القتلى بطلب من بعض السفراء الأجانب وبنى مكانه نصب تذكاري عليه رخامة نقش عليها تاريخ الواقعة وتاريخ دفن الجماجم

ونقول لئن كان عمل الجربيين هذا لا يوافق أدب الحرب في الإسلام وإنما كان انعكاسا لشدّة بأسهم تجاه الغاصبين فإنّ توصيف هذا المبشر امتلأ تحريفا وانتقاء وتزويراً لملابسات الهزيمة الإسبانية المخزية. كما أن كره الجربيين لم يكن للنصارى كما افترى، لأنّ دينهم يدعوهم إلى احترام أهل الكتاب، وإنما هو كره للهمجيين والمعتدين منهم.

1 رحلة المبسّر إيفالد من تونس إلى طرابلس في سنة 1835. تعريب وتقديم تعليق منير

الفندري صص 93 - 94.

2 المرزوقي: مؤنس الأحبة ص 105 ها 1.

86