دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ٣٣ولعل من المفيد قبل انتقالنا إلى الحديث عن مفهوم الرؤيا الوطنية في العصر العباسي، أن نشير إلى ورود كلمة " الوطن " في قصائد الشعر الجاهلي والإسلامي، ومن ذلك قول " عنترة ":
أَحْرَقَتْنِي نارُ الجوى والبِعادِ **** بَعد فَقْدِ الأَوْطانِ والأَولادِ
شابَ رأسي فصارَ أبيض لوناً **** بعد ما كان حالكاً بالسوادِ "1"
وقال طَرَفَة:
على موطن يخشى الفتى عندَهُ الرَّدَى **** متى تعترك فيهِ الفرائصُ تُرْعَدِ "2"
وقال عمر بن أبي ربيعة:
قد هاج قلبَكَ بعد السّلوةِ الوطنُ **** والشوقُ يُحْدِثُهُ للنازحِ الشّجَنُ "3"
وقال جميل بن معمر:
أنا جميلٌ والحجازُ وطني **** فيه هوى نفسي وفيه شجني " 4 "
وفي العصر العباسي تحدث في المجتمع الإسلامي تطورات عديدة في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والأدب، ويقوى التيار الحضاري والروابط الثقافية، وينمو الحوار المتبادل بين الطوائف المختلفة في المدن الجديدة، كالبصرة وبغداد وغيرهما، فتنشأ مجتمعات حضارية جديدة، تربطها تيارات " ثقافية " عديدة، وحوار فكري خلاق، وصراع مذهبي وسياسي، وتشد هذه الروابط الحضارية الجديدة، أبناء المدن إلى طيب عيشها واعتدال مناخها، ومباهج متعها، ويتصاعد إحساس الفرد بالوطن، وبالأرض التي نشأ عليها، وتنمو المشاعر الوطنية، وبعد أن كان الشاعر الجاهلي يكثر من الحنين إلى الأطلال، والشاعر الإسلامي يضيف إلى ذلك، حنينا إلى وطن ممثل في الجزيرة العربية، نرى الشاعر العباسي يقدم لنا تطورا جديدا في هذا المفهوم، فيصبح الوطن هو البقعة الجديدة التي يعيش فيها الإنسان، وترتبط حياته بها، ولهذا اختفى شعر الحنين إلى الجزيرة العربية، وحل محله حنين إلى
1 ـ ديوان عنترة ـ ص 134
2 ـ ديوان طرفة: 43
3 ـ ديوان عمر بن ربيعة: 435
4 ـ ديوان جميل ـ ص 206 ـ وانظر: الحنين إلى الوطن في الأدب العربي حتى نهاية العصر الأموي ص 11 وما بعدها