دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ٣٢وعلى الرغم من أن الإسلام قد نادى بهذا الوطن العقائدي، بذلك المفهوم العالمي، ونتيجة لهذا المفهوم، توزع المسلمون في أقطار الأرض، قاصِيها ودانِيها، مبشرين بدين الله، وانتشرت جيوشهم فاتحة لأنحاء مختلفة من الأرض، وأقامت فيها، فإنهم لم ينسوا أوطانهم التي ولدوا فيها، وعاشوا فيها أحلى أيام طفولتهم وشبابهم، وفي القرآن الكريم نجد آيات كثيرة تدافع عن حق الإنسان في الإقامة بوطنه، وتهاجم هؤلاء الكفار الظالمين الذين يخرجون الناس من ديارهم بغير حق، يقول الله سبحانه وتعالى " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا أن يقولوا ربنا الله " … الآية "1" ".
والقرآن الكريم في هذه الآية وفي آيات أخرى يجعل الإخراج ـ أو النفي من الوطن ـ مبررا للقتال، يقول الله تعالى: " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين، وأخرجوكم من دياركم، وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون " "2".
وهكذا أراد القرآن الكريم الوطن للمسلمين، دار أمن، وحرية وكرامة، لا دار إيذاء وتشريد واضطهاد، ومن هنا فقد حث القرآن الكريم على الاغتراب والهجرة، إذا فقد المسلم أمنه وكرامته في وطنه، وفي هجرة المسلمين إلى الحبشة ثم إلى مكة، نموذج لاغتراب الأحرار المؤمنين حين يغادرون أوطانهم ـ لا هربا ولا فرارا ـ وإنما حشدا للقوى، واستعدادا ليوم تحرر فيه الأوطان من ظلام الشرك والأوثان، والرسول عليه الصلاة والسلام، حين هاجر من مكة، أحس بلوعة الحنين إلى الوطن، وقال مناجيا وطنه الأول (مكة): " ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك، ما سكنت غيرك "3" ".
1 ـ سورة الحج ـ 40
2 ـ سورة الممتحنة ـ 8، 9
3 ـ حديث رواه الترمذي عن ابن عباس