دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ٥٩المبحث الثالث
عن
الغربة والحب
في شعر هلال العامري
لعل القضية الرئيسية التي تدور حولها قصائد الشاعر: هلال العامري، هي قضية الغربة المرتبطة بسباحاته الروحية في آفاق الجمال، التي يلتقي فيها جمال الطبيعة بجمال البشر .. !
وإذا كانت مشكلة الغربة إحدى ملامح الأدب العربي المعاصر، فقد كانت أيضا ملمحا بارزا في تراثنا العربي القديم، فابن رشيق في كتابه (العمدة) حين يتحدث عن ظاهرة الأطلال في الشعر الجاهلي، يقول:
" فطريق أهل البادية ذكر الرحيل والانتقال، وتوقع البين، والإشفاق منه، وصفة الطلول والحُمول، والتشوق بحنين الإبل " "1".
كما يرى (الآمدي) في " موازنته " أن النسيب في مقدمة القصيدة الجاهلية بما فيه من بكاء على الأطلال، وحديث عن الحبيبة الراحلة، إنما هو تعبير عن الحنين إلى الوطن "2"، وحسبنا هنا أن نشير إلى بعض مصادر التراث العربي، التي تناولت تجربة الغربة ومنها: " المنازل والديار " لأسامة بن منقذ، و " محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء " لأبي القاسم حسين بن محمد الراغب الأصبهاني، و " معجم البلدان " لياقوت الحموي، ومقامات بديع الزمان الهمذاني، ومقامات الحريري، ثم كتب الصوفية التي تناولت تجربة الاغتراب الصوفي، وذلك مثل " الرسالة القشيرية " وغيرها "3".
ولعل أهم مشكلة معاصرة يتناولها كتاب المسرح المعاصر، هي مشكلة العالم المحاصر بالموت والغربة، فهم يرون أنهم يعيشون في جزر محاطة بالموت والعزلة، وكل الجسور التي تصلهم بالناس قد فجرَّتْ، ومن ثُمَّ فهم يعيشون معزولين عن الناس في عالم جحيمي، يعانون من الوحدة والألم والسأم، وقد كتب (يونيسكو) كثيرا من المسرحيات، مثل: " المغنية الصلعاء " و " الدرس " و " الكراسي " و " المستأجر الجديد " و " قاتل بلا أجر " وكلها تتحدث عن الموت والغربة، وكلها تقف في منتصف الطريق
1 ـ العمدة: صناعة الشعر ونقده ـ ج 1، ص 98
2 ـ انظر: الموازنة بين أبي تمام والبحتري ـ للآمدي ـ تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ـ الطبعة الثالثة، ج 1، ص 409
3 ـ انظر: تيارات معاصرة في الشعر الجاهلي، ص 156، للدكتور / سعد دعيبس