دراسات في الشعر العماني سعد دعبيس

دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس

الجزء ١ · صفحة ٦٠

حيث أن كل الطرق مسدودة، ولا أمل في الحصون على أي معنى للحياة، وفي هذه المسرحيات نجد الشخصية تتصرف بحيث تجري على لسانها الألفاظ هامدة تتساقط كالأجرام، فتخفق في تحقيق جوهرها المدني، كما تخفق لغتها فيما وضعت لأجله من التجارب، وتبادل المشاعر والأفكار، وهذا الإخفاق يقودنا إلى عالم الرعب … رعب الصمت المعنوي للفراغ الفسيح .. !

فالصوت كالصمت، لأنه يقود أخيرا .. إلى يأس وصمت "1" .. !

فأين تقف قضية الغربة لدى شاعرنا هلال العامري من هذه الاتجاهات الاغترابية؟

إن الإحساس الحاد بقسوة الغربة في شعره يقابلنا منذ أول لحظة يستقبلنا فيها، فالشاعر لا يهملنا ريثما نتجول قليلا .. في واحات شعره أو غاباته الكثيفة .. بل يفاجئنا عند المدخل الرئيسي لعالمه الرئيسي، بلافتة تقول لنا: إنكم ستعانون مع الشاعر رحلة اغتراب إنسان عربي عماني تتقاذفه أعاصير الغربة … في زورق عربي … وفي إطار رؤية عربية .. ومعروف أن الإنسان العماني قد ارتبط منذ أقدم العصور بالبحر والأعماق والموج والغربة والرحيل، وقد آن لنا أن نبدأ معه رحلة اغترابه .. فأي مفهوم يقدمه للغربة، وأي رؤية يقدمها لنا؟

إن الغربة في شعر هلال، ترتبط في كثير من قصائده بالحب، والغربة المرتبطة بالحب لها مصدران: أحدهما تراثي، والآخر حديث، أما التراثي ففي شعرنا العربي منه الكثير والكثير، نجده في الشعر العربي القديم، مثلا في شعر عنترة، والمرقش الأكبر، وعروة بن حزام، ولنكتف هنا بنموذج لعروة بن حزام يقول فيه:

أَلا يا غُرابَي دِمْنَةِ الدَّارِ خبرا **** أَبِالصَّرْمِ من عفراءَ تَنتحبانِ؟

فإن كان حقا ما تقولان فانهضا **** بِلَحْمي إلي وكريكما فكلاني

كُلانِيَ أَكْلاً لم ير الناسُ مثْلَهُ **** ولا تهضما جنبَيَّ وازْدَرِدَاني

ولا تُعْلمان الناسَ ما كان قصَّتِي **** ولا يأكُلَنَّ الطيرُ ما تذَرانِ " 2"


1 ـ المدخل إلى النقد الأدبي الحديث ـ للدكتور / محمد غنيمي هلال ص 758

2 ـ الشعر والشعراء، لابن قتيبة، ج 1، ص 264

٦٠ / ١٣٢