دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ٦المبحث الأول
" تيار الغزل التراثي بين النبهاني ـ والبارودي "
لعل أهم عامل وجهني إلى اختيار هذه الدراسة المقارنة لتيار الغزل التراثي بين هذين الشاعرين: (النبهاني) "1" في سلطنة عمان، و (البارودي) "2" في مصر: إحساسي بحاجة مجتمعاتنا العربية المعاصرة إلى إعادة النظر من جديد في أهمية القصيدة الغزلية، في تهذيب وجدان الفرد، والتسامي بمشاعره وانفعالاته، وبناء مجتمع قائم على الحب والصفاء، لا على الحقد والكراهية، فنحن جميعا أبناء عالم محاصر بصحراء الصمت والرعب، في عصر التجارب النووية، عصر يعيش أبناؤه أعصابا قلقة، وقلوبا شاحبة مغتربة، وأصابع تصنع الموت والكراهية للأطفال، بدلا من الأزهار والألحان، وتزرع القنابل والأكفان في الحقول، بدلا من الحب والسلام … ! عالم لم يعد يغني للمحبة والصفاء، بقدر ما يغني للكراهية والحقد، والرعب والدمار … ! وما أشد حاجة هذا العالم الآن لمن يقدم له في هجير حربه الباردة، وتفجيرات أحقاده النووية، باقة حب، وهمسة لقاء … !
في هذه المعاني … يكمن الدافع الأول الذي وجهني لاختيار موضوعي هذا، وهناك عاملان آخران، كان لهما تأثيرهما أيضا:
أما الأول فهو: إحساسي بأن قصيدة الغزل العربية المعاصرة، لم تعد تحظى باهتمام الشعراء المعاصرين، وإن ظفرت باهتمام بعضهم، فكثيرا ما تتحول لدى هذا البعض إلى مشجب يعلق عليه آراءه، أو شعاراته المذهبية، وقد وجدت في بعض ندوات الشعر التي أحضرها، اتجاها غريبا يدل على عقم الذوق الأدبي، وفساده لدى بعض ناشئة الشعراء، إذ يتوهم هذا البعض أن التقدمية والواقعية تحتمان على الشاعر أن ينأى بشعره عن الحب والغزل، وأن يلتزم فقط بقضايا الكفاح السياسي والاجتماعي، ولذلك كان بعض الشعراء يقدم أحيانا ما يشبه الاعتذار حين يهم بإلقاء قصيدة غزلية، كأنما هو يقدم على ذنب يحتاج إلى تبرير واستغفار "3"، ووجدت ـ كملا سبق أن أوضحت في
1 ـ سليمان بن سليمان النبهاني
2 ـ محمود سامي البارودي ـ وسجيئ التعريف بهذا الشاعر والشاعر السابق في حديثي عن " الملامح المشتركة بين شخصيتهما (انظر ص 4 ـ وما بعدها ـ)
3 ـ انظر: الغزل في الشعر العربي الحديث ـ للدكتور / سعد دعبيس، مقدمة الكتاب، ص "أ"