دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ٧٢تَعَرِّي الغصون
يكون الخريف
وكَبْو الفوارسِ
عِزَّ الخريفْ
وَشَمُّ العُطُورِ
بلَيْلِ الخريفْ
وحتى الهزيمة تأتي
بثوبِ الخريفْ
إن الشاعر في هذه القصيدة، يرى أن الخريف فصل الحكمة التي تمثل أعماق الحياة بكل أبعادها المتناقضة، وبكل أضدادها المتصارعة .. ففي الخريف تنمو السنابل الخضر، وفي الخريف أيضا تأتي الحروب الطاحنة، وتعنس النساء الجميلات، وتحمل كل النساء بأبطالنا .. في الخريف .. وقد نجح الشاعر في تصوير تناقضات الحياة وصراعاتها التي تضمن استمرارية الحياة، وبقاء الكون، معتمدا على مهرجان فني من الصور القائمة على صراع الأضداد، وهذا يذكرنا بمهرجان الصور المتضادة الذي كان (أبو تمام) بارعا ورائعا في إقامته في كثير من قصائده، وبخاصة في قصيدته عن فتح عمورية "1"، في تلك اللوحات المتضادة التي رسمها للحرائق التي أشعلها الجيش الإسلامي في عمورية، وفي تلك اللوحة التي رسم فيها شخصية (المعتصم)، وشخصية عدوه وعدو المسلمين (تيوفيلوس بن ميخائيل) "2"، وبهذه اللوحات الرائعة القائمة على صراع الأضداد، اعتبر أبو تمام أستاذا لهذا اللون من فن التصوير، لكل من جاء بعده من الشعراء .. !
ولكن رؤية الشاعر للحياة .. على الرغم من تنوع أبعادها وزواياها، فإنها محاطة دائما بإطار الغربة والبين والرحيل، والقلب الظامئ دائما إلى قطرة حب وصفاء في زمن محاصر بالجدب والعطش .. ! فلياليه دائما محاصرة بالغربة والرحيل .. وأوتار الليل تردد ألحان الغربة، والغربة تحاصر أحلام
1 ـ راجع القصيدة من ديوان أبي تمام ـ ج 1 ـ ص 45 (طبعة بيروت)
2 ـ انظر كتاب (أبو تمام وقضية التجديد في الشعر) للدكتور عبده بدوي ـ ص 197، ص 230