حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ٢٦٥ونصف معززا مكرما بين الأخوان والأنصار كما قال هو بلسانه، ولقد كانت رحلة نشوان تلك إلى حضرموت، هي الإشارة الأولى إلى الوجود المعتزلي فيها، إذ لم يكن له أن يعيش وهو على تلك المنزلة العلمية المذهبية إلا في أجواء مذهب الاعتزال وما كان المجتمع سني الاعتقاد أن يقبل نشوان بين ظهرانيه ولغرض تحقيق علمي موضوعي لما تقول به رحلة نشوان إلى حضرموت
(
كان لا بد من البحث في تراث ذلك القرن، وبالذات في ما تبقى من تراثه الأدبي. فوجدناه يقول صراحة وبكل جلاء بتلك الأجواء المعتزلية السياسية والعقائدية التي جذبت العلامة نشوان من موطنه الجوف، للعيش في حضرموت، فقد كان تراث الإمام شيخ الإسلام بافضل، خير مثال على المدى المتطور الذي بلغته علوم الاعتزال في القرن السادس الهجري، ثم جاءت قصيدة الشاعر التكريتي وكتاب (تهذيب الرئاسة وترتيب السياسة) للإمام محمد بن علي القلعي، لتؤكد بمالا يدع مجالا للشك حقيقة الأوضاع المذهبية المعتزلية السائدة في ذلك القرن في مدن حضرموت الكبرى
ومن
التريمي
استجلاء تلك الحقيقة، تم معرفة حقيقة ذلك المجمع العلمي الكبير الذي بلغ قوامه ثلاثمائة عالم وففيه ومفتي، جلهم على مذهب الاعتزال، وقليلهم من الأباضية، ولقد كشفت ضخامة ذلك المجمع مقارنة بحجم تريم أرضا وسكانا، كشفت عن زحف علمي مذهبي معتزلي على حضرموت الاعتزال من كل حدب وصوب من بلاد الإسلام، وقد كان من ثمار ذلك الزحف أن سادت حضرموت في القرن السادس الهجري أجواء علمية زاخرة بالعطاء، فقد كان عدد كبير من اعضاء ذلك المجمع يشتغل بالتأليف، وسادت حضرموت أجواء علمية عقلانية، هي الوحيدة من نوعها من حيث اعتمادها على المنطلقات الفكرية الكلامية والفلسفية للمذهب المعتزلي، بمثل تفرد حضرموت، ليس باحتضان ذلك المذهب فحسب، بل وأيضاً بمثل تفردها باحتضان دولته الوحيدة في التاريخ الإسلامي كله
(265)