حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ٢٦٤في هذا الباب، وبهدف البدء في وضع مشروع رؤيتنا قيد النظر، ومن أجل استجلاء حقيقة الأوضاع في حضرموت في القرن السادس الهجري، كان لا بد من البدء بعرض الرؤية السائدة في كتب التاريخ الحضرمي، ثم نقد تلك الرؤية، ولقد وجدنا تلك الرؤية، إضافة إلى ما تعانيه من طرح غير علمي، إن
لم يكن (ذاتي (الترعة، وجدناها تعاني من تناقضات دورية لا تكاد تنقطع تلك التناقضات لم تأت من خارجها، بل من داخلها، ومن نفس القائلين بها،
وإن رؤية تلك هي طبيعتها لا بد أن تكون خارج إطار الكتابة التاريخية العلمية
والموضوعية
،
وفي بدء الشروع في الرؤية، كان لا بد من النظر إلى خارج اليمن، كان لا بد من النظر إلى المحيط الإسلامي الفاعل في ذلك القرن، وفي أهم مرتكزاته، ألا وهي الدولة الأيوبية في مصر، وكيف قامت، وما هو مذهبها العقائدي، وكيف تنظر لأهل العقائد الإسلامية الأخرى. فوجدناها سنية الاعتقاد أشعرية متعصبة، تكره المذاهب الأخرى وتحرم التعامل معها ومع منطلقاتها الفكرية الكلامية والفلسفية ورجالها. هذه الدولة حين غزت اليمن الأعلى والأوسط لم يكن فيه أي كيان سني الاعتقاد، بل هو بين شيعة إسماعيلية وزيدية، ثم وجدنا الأيوبيين يقوضون تلك الكيانات من أساسها، ثم بعد تستقر لها الأوضاع هناك، تتجه الحملة الأيوبية إلى حضرموت، وفيها قام الأيوبيون بأبشع مجزرة في حق العلماء والفقهاء والقراء في تاريخ المشرق العربي كله، وكانت المقاومة الحضرمية عنيفة شرسة، استمرت زهاء نصف قرن کامل، هو عمر الوجود الأيوبي في حضرموت. كان ذلك الرصد التاريخي للدولة الأيوبية في مصر ثم سلوكها في اليمن وحضرموت، هو المفتاح الذي من خلاله تم معرفة الأجواء السياسية التي دفعت إمام ورأس معتزلي كبير بحجم العلامة نشوان بن سعيد الحميري، إلى اللجوء إلى حضرموت والعيش فيها عامين
أن
(264)