حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة بين الإباضية والمعتزلة: مشروع رؤية سالم فرج مفلح [دارس عن الإباضية]

حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد

الجزء ١ · صفحة ٣٧١

المهرة والمشقاص، وكذلك الحال بالنسبة لعلماء الاعتزال وأهل المدن الحضرمية

الكبرى، وكان محصلة تلك المقاومة ان تم حصر الوجود الرسولي في حضرموت في مدينة الشحر وحدها. ورغم مكوثهم في الشحر قرنا من الزمان، الا انهم لم يتركوا

(1)

وراءهم بها معهدا او معبدا او مدرسة، واكتفوا منها بتحصيل المكوس والضرائب على نشاطها التجاري، ومن ذلك نفهم ان الرسوليين لم يكن لديهم مشروع انقلابي مذهبي، يهدف إلى فرض السيادة العقائدية السنية عليها، بدلا من أوضاعها التاريخية الأباضية والمعتزلية، والحقيقة التي نراها، هي ان الدولة الرسولية لم تكن تملك القدرة العلمية على الأقل للقيام بانقلاب مذهبي عقائدي سني في حضرموت، حتى ولو لم تكن المقاومة بذلك القدر من القوة والشراسة والإنتشار فقد كان الواقع المذهبي غير السني على قدر من الرسوخ والثبات بحيث يفشل أمامه أي جهد رسولي للانقلاب عليه.

،

وفي نهاية القرن الثامن الهجري ظهرت الدولة الكثيرية الزيدية المذهب لتكون بذلك ركناً قوياً واضافة مهمة في ترسيخ الفكر والعلم المعتزلي، فالعلوم الزيدية ومنطلقاتها العقلية، هي نفسها علوم ومنطلقات المذهب المعتزلي، وإذن لا بد ان يكون ظهور الدولة الكثيرية عامل دفع قوي، كان يحتاج إليه مذهب الاعتزال وعلومه، بعد ان زالت إمامات الاعتزال في المدن الحضرمية منذ حوالي قرن من الزمان، واصبح المذهب الأباضي وزعاماته هو صاحب الولاية السياسية في

البلاد.

لهذا لم يكن غريبا ان يكون القرن العاشر الهجري من أحفل القرون الحضرمية بالعلم والعلماء، فقد ضمت هذه المائة العاشرة جمهرة كبيرة وعظيمة من أكابر العلماء في العلوم العربية والعقلية والدينية، بل لم يكن غريبا أيضاً أن يكون تلك الكثرة والغزارة والتنوع في الإنتاج العلمي والفكري، كما هو

للواحد منهم

(371)