سفينة النجاة
الجزء ١ · صفحة ٧٩أخِي يَا مَنْ غَفَلْتَ عَنِ الدَّارِ الْآخِرَةِ، يَا مَنْ شَغَلَتْكَ الدَّارُ الْفَانِيَةُ عَنِ الدَّارِ الْبَاقِيَةِ، أَنْتَ يَا مَنْ تَجْرِي وَرَاءَ اللَّذَّاتِ نَاسِيًّا الْمَمَاتَ يَا مَنْ كُلُّ تَفْكِيرِهِ وَحَرَكَاتِهِ مِنْ أَجْلِ الشَّهَوَاتِ، تَرْضَى وَتَغْضَبْ تَبْكِي وَتَضْحَكُ، تُوَالِي وَتُعَادِي حَتَّى الْأَرْحَامَ مِنْ أَجْلِهَا، تَخَيَّلْ حُضُورَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ، تَخَيَّلْ حُضُورَ مَلَكِ الْمَوْتِ وَلَا مَفَرَّ وَلَا حِيلَةَ، تَخَيَّلْ حِينَ تَنَامُ عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ تَنْتَظِرُ إِحَدَى الْبِشَارَتَيْنِ، تَخَيَّلْ كَيْفَ يَكُونُ فَلَقُكَ قَبْلَ الْبُشْرَى، تَخَيَّلْ حِينَ تَصْعَدُ الرُّوحُ إِلَى أَعْلَى الْجَسَدِ حَتَّى تَبْلُغَ التَّرَاقِي.
تَذَكَّرْ ذَلِكَ الصُّبْحَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَسَاءٌ، أَوِ الْمَسَاءَ الَّذِي لَا يَلِيهِ صُبْحٌ، تَذَكَّرْ قَبْلَ أَنْ تُوَدِّعَ أَهْلَكَ إِلَى سَفَرٍ بِلَا رَجُوعٍ، تَذَكَّرْ بُعْدَكَ عَنْ أَهْلِكَ وَجِسْمُكَ قَرِيبٌ مِنْهُمْ، تَذَكَّرُ حِينَ يُنَادِيكَ النَّاسُ وَأَنْتَ تَسْمَعُهُمْ عَاجِزًا عَنِ الْجَوَابِ، وَقَدْ كُنْتَ فَصِيحًا، وَقَدْ تَكُونُ خَطِيبًا، وَلَكِنْ حِيلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ إِجَابَتِهِمْ، تَذَكَّرُ حِينَ تَسْمَعُ النَّاسَ يَقُولُونَ: فُلَانٌ فِي الرِّيَاقِ سِيَاقِ الرُّوحِ، تَسْمَعُهُمْ وَلَا تُجِيبُ، وَهُمْ لو اسْتَيْقَظُوا مِنْ غَفْلَتِهِمْ لَعَلِمُوا أَنَّهُمْ فِي السِّيَاقِ، تَذَكَّرُ
73