دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ١٤حين يعمد إلى التّخمينِ والافتراض. فهو يقول مثلاً: " وهذه الأحاديث الثّلاثة ربّما تكون الأصل الذي بنى عليه بديع الزّمان الهمذاني شكل مقاماته في الكدية ونماذج بني ساسان المختلفة عنده … "(1)
أمّا الدّكتور محمد صالح ناصر فيقول عن أحاديث ابن دريد: " … كما أملى على تلميذه أغلب ما يسمّى بأحاديث العرب، التي تعدّ إرهاصًا لمقامات بديع الهمذاني … "(2) وبعد أن يعرض آراء بعض الدّارسين في المسألة ينتهي إلى الخلاصة الآتية: " وخلاصة الرّأي الذي انتهى إليه هؤلاء جميعًا، هو أنّ ابن دريد هو السّابق إلى هذه الأحاديث، التي يمكن أن تكون الأرضية الحقيقية لفنّ المقامات، ولا مانع من أن يكون الهمذاني قد اعتمدها أساسًا، ثمّ أضافَ إليها عناصر فنّية أخرى مثل: الكدية، والحوار، والبطل، والفكاهة، والطّرافة، والتّهكّم، والهجاء، والعقدة القصصية، التي تكاد تخلو منها أحاديث ابن دريد."(3)
لم يحسم الدّكتور الأمر بما سجّله في هذا النّصّ، ولم يقرّر ما إذا كانت أحاديث ابن دريد تعدّ إرهاصات لمقامات الهمذاني. فقد وردت في النّصّ الكلمات والعبارات الآتية: (يمكن أن تكون، ولا مانع … ثمّ أضاف إليها عناصر فنّية) هذه العناصر التي ذكرها الدّكتور هي الأساس في تركيبة فنّ المقامة، التي يعترف صراحة أنّها مفقودة في أحاديث ابن دريد، حتّى ولو أشار إلى ذلك بقوله: " التي تكاد تخلو منها أحاديث ابن دريد". إذن كيف يمكن أن تكون هذه الأحاديث - بهذه الفوارق التي بينها وبين المقامات - إرهاصًا لظهور فنّ المقامات، وأن يكون ابن دريد السّبّاق لوضع الأرضية الحقيقية لهذا الفنّ؟؟
خلاصة القول: إنّ الحكم الفصل في المسألة لَمَّا يظهر، ومن ثمّ َلَمَّا يسجّل. فما قدّمه القائلون والمتحمّسون للرّأي القائل: بأنّ أحاديث ابن دريد هي نواة فنّ المقامات، الذي ينسب ابتكاره إلى الهمذاني، ما قدّمه هؤلاء غير مقنع، وغير كافٍ لتبنّي رأيهم.
هذه مجموعة أسئلة وغيرها تحتاج إلى إجابات واضحة مقنعة حقيقية، بعد البحث والدّراسة. هذه الأسئلة تدفعنا جميعًا إلى بذل مزيد من الجهد في الغوص والتّأمّل فيها، ودفع عجلة البحث للوصول إلى نتائج تقدّم إيضاحات عن هذا العمل الأدبي المتميّز.
(1) - ينظر المرجع السّابق، ص: 137، الهامش (3).
(2) - محمد بن الحسن بن دريد … ،ص: 60.
(3) - المرجع السّابق، ص: 167.