دراسة في أحاديث ابن دريد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ١٣

أوجه الشّبه بينهما(1) من دون أن تثبت أنّ بديع الزّمان قد تأثّر بابن دريد في كلّ مقاماته. تستدلّ على ذلك بقولها: " إنّنا لم نجد بين الكتّاب الذين عاصروا الهمذاني من أخذ عليه هذا المأخذ، ولا سيّما خصمه اللّدود الخوارزمي، فقد كان معجبًا بالمقامات غاية الإعجاب، يظهر استحسانًا بها، بالرّغم من أنّه كان يتربّص به، ويتحيّن الفرص للحطّ منه، ومن مكانته الأدبية … " وتضيف الدّكتورة قائلة: " لا شكّ أنّ بديع الزّمان قد قلّد ابن دريد في بعض أحاديثه، سواء من ناحية الموضوع، أم من ناحية الأسلوب … ونستطيع أن نقول: إنّ ابن دريد هو ملهم فنّ المقامات للهمذاني، وقد عرف بها بديع الزّمان، وكلّ من كتب مقامات من بعده، كان مقلّدًا له، واعتبره منشئ هذا الفنّ في اللّغة العربية."(2)

تبدو الدّكتورة أيضًا غير واضحة في موقفها من تأثّر بديع الزّمان الهمذاني في مقاماته بابن دريد في أحاديثه من عدمه. فهي لم تحسم الموضوع، فقد صعب عليها اتّخاذ موقف محدّد، لست أدري ما هو السّبب. فهي تقول: إنّ بديع الزّمان قد قلّد ابن دريد في بعض أحاديثه في الموضوع والأسلوب. أنا لا أرى شبهًا بين الأثرين في الأسلوب بالنّظر إلى طبيعة المقامة. ومن حيث الموضوع، فإنّ الموضوعات هي مجال لكلّ من يكتب في الحياة العربية، وبأيّ أسلوب وطريقة. إذن إنّ هذا ليس دليلاً على تأثّر الهمذاني بابن دريد. من جهة أخرى تقول الدّكتورة: إنّ الهمذاني منشئ فنّ المقامات، وملهمه في هذا هو ابن دريد. لكنّها لم توضّح كيفية الإلهام هذا، ولا الجوانب التي استلهم فيها الهمذاني أحاديث ابن دريد. لذا يبقى موقفها غير واضح، بل غير صريح. قد تكون لها قناعة أخرى لم تَبُح بها.

يرى الدّكتور أحمد درويش أنّ الأحاديث التي قدّمها ابن دريد للنّثر الأدبي العربي، هي نواة لفن المقامة، التي توسّع فيها بديع الزّمان الهمذاني، ومن بعد الحريري(3) لكنّه لم يقدّم أدلّة على ذلك، بل إنّ ما كتبه في الموضوع، وبخاصّة ما سجّله من فروق جوهرية في المضمون والبناء الفنّي بين الأثرين، لا يتوافق مع رأيه هذا.(4) فيبقى رأيه هو أيضًا غير دقيق وواضح في هذه النّقطة. بل يبدو أحيانًا متردّدًا،

(1) - مقامات بديع الزّمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد، ص: 131 وما بعدها.

(2) - المرجع السّابق، ص: 142.

(3) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 40.

(4) - ينظر المرجع السّابق، ص: 105 – 114.

١٣ / ٥٣