دراسة في أحاديث ابن دريد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ١٩

العداوةَ موجودَةٌ عتيدة، والصّداقة مُسْتَعْرِزَة بعيدة، جنِّب كرامتَك اللّئام، فإنّهم إن أحسنتَ إليهِمْ لَمْ يشكُروا، وإنْ نَزَلَتْ شديدةٌ لَمْ يَصبروا."

3 – من حكم الأعراب(1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: سمعتُ أعرابيًا يقول: لا يوجد العجول مَحمودًا، ولا الغضوبُ مسرورًا، ولا المَلولُ ذا إخوانٍ، ولا الحرُّ حريصًا، ولا الشّرِهُ غنيًّا."

" وحدّثنا وقال: أخبرَنَا عبد الرّحمن عن عمّه قال: سمعتُ أعرابيًا يقول: صُنْ عقلَكَ بالحِلْمِ. ومُروءَتَكَ بالعفاف، وَنَجْدَتَكَ بِمُجانَبَةِ الخُيلاء، وخَلّتَكَ بالإجمالِ في الطّلب."

" وحدّثنا قال: حدّثنا عبد الرّحمن عن عمّه، قال: سمعتُ أعرابيًا يقول: أقبحُ أعمالِ المُقتدرين الانتقام، وما استُنْبِطَ الصّوابُ بِمثل المشاورة، ولا حُصِّنَت النّعمُ بمثل المواساة، ولا اكتُسبت البغضاءْ يِمثلِ الكِبْرِ."

إنّ هذه الوصايا التي ذكرناها هنا، مروية عن ابن دريد من بين النّصائح الكثيرة الني حدّث بها عن الأعراب. تبعث على القول: إنّ أبا بكر بن دريد كان حريصًا على توجيه النّاس إلى معرفة الخلال التي تبني شخصياتهم، وتقيم كيانهم على أحسن الأسس، وأصحّ القواعد. وقد حرص أن تكون منقولة ومنحوتة من تجارب الحكماء والحصفاء، ومتولّدة من خبرات رجال حلبوا أشطر الدّهر، وخاضوا غمار الحياة، وجابوا في دروبها فعركوها وعركتهم. كما أنّ بعضها صادر من آباء وأولياء حرصوا أن يوجّهوا أبناءهم الوجهة الحسنة، وأن يوصوهم وصايا، دَعَّهم إليه دافع الواجب الملزوم، والفرض المحتوم في القيام بمسؤولية التّربية والعناية والرّعاية، وأداء الأمانة المنوطة بأعناقهم. كما أنّ هذه الوصايا التي حدّث بها ابن دريد، نابعة من بيئة عذراء نظيفة، ومن ناس لم تفسد المدنية والحضارة طباعهم، إذ كانت صادرة من أعراب سكنوا البادية، فنقلوا ما أنتجته الفطرة من صالح الخلال وكريم الشّمائل. أخبر بِها ابن دريد من أراد له الخير والأمان والفوز في هذه الحياة.

هذا السّلوك من ابن دريد يتكرّر كثيرًا في نشاطه وتحرّكه وعمله، وهو الاستناد إلى الأعراب في التّوجيه والإرشاد والدّعوة. فهو معجب بهم كثيرًا. وفي الوقت نفسه يهدف ويعمل على الإبقاء على الوجه الأصيل للحياة العربية الإسلامية، التي بدا عليها التّأثّر بِبَصمات المتغيّرات، ولمسات الثّقافات

(1) - كتاب الأمالي، ج2، ص: 29، 30.

١٩ / ٥٣