دراسة في أحاديث ابن دريد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٢٠

الأخرى، التي بدأت تغزو المجتمعات العربية الإسلامية في عهده، وظهرت لِتزحزح شيئًا فشيئًا سمات الثّقافة العربية والإسلامية ومظاهرهما.

دليلنا عل إعجاب ابن دريد بالأعراب، والرّكون إليهم في الإفادة من حياتهم وأقوالهم وأفعالهم ما جاء في الحديث التي حدّث به تلاميذُه وروّادُ مجالسه؛ نقلاً عنه(1). قال أبو علي القالي:" وحدّثنا أبو بكر قال: حدّثنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: ذكر أعرابيّ قومًا فقال: أدّبتهم الحكمة، وأحكمتهم التّجارب، ولم تغررهم السّلامة المنطوية على الهَلَكَة، وجانبوا التّسويف الذي به قطع النّاس مسافة آجالهم، فذلّت ألسنتهم بالوعد، وانبسطت أيديهم بالإنجاز، فأحسنوا المقال، وشفَعوه بالفَعال."

نختم هذا العرض في هذا الموضوع بالحديث الآتي: قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله تعالى، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن عبد الله عن عمّه عبد الملك بن قُرَيْب، قال: سَمِعتُ أعرابيًا، يدعو الله وهو يقول: هَربتُ إليكَ بنفسي يا ملجأَ الهاربين بأثقال الذّنوب، أحْملها على ظهري، لا أَجِدُ شافِعًا إليكَ إِلاّ معرفتي بأنّك أكرمُ من قَصَدَ إليه المضطرّون، وأمَّلَ فيما لديه الرّاغبون، يا من فَتَقَ العقول بِمعرفته، وأَطلقَ الألسنَ بِحَمده، وجعل ما امتنّ به من ذلك على خلقه كِفاءً لتأدية حقّه. لا تَجعل للهوى على عقلي سبيلا، ولا للباطل على عملي دليلا."(2)

في الحقيقة إنّ اهتمام ابن دريد بالأعراب، والحرص على إيراد أخبارهم ونوادرهم في أحاديثه، يلفت النّظر، ويبعث على البحث عن دوافع ذلك عنده وتحليله، والتّأمّل فيه، وتقويم هذا التّوجّه أو الاتّجاه … فعل هذا وهو يحدّث تلاميذه كما فعل مع تلميذه أبي عليّ القالي، وهو يملي عليه " ما يسمّى بأحاديث العرب … التي تجاوزت السّبعمائة حديث "(3) أو كما صنع حين ألّف الأحاديث الأربعين لإسماعيل بن ميكال ليؤدّبه بها ويعلّمه أصول اللّغة العربية كما يقول الدّكتور محمد صالح ناصر: " وكان (أي ابن دريد) من أهمّ ما ألّفه لإسماعيل لكي يحسن العربية كتاب الأربعين حديثًا، قصّ فيه حكايات عربية قديمة، تقوم على الحبّ، كما تقوم على التّاريخ."(4)

(1) - المصدر السّابق، ص: 21.

(2) -كتاب الأمالي، ج1، ص: 11.

(3) - ينظر الدّكتور محمد صالح ناصر، محمد بن الحسن بن دريد، حياة من أجل الأدب، ص: 56.

(4) - المرجع السّابق، ص: 56. إنّ الحقيقة غائبة عن حقيقة الدّوافع لإملاء هذه الأحاديث: بسبب كثرة الرّوايات وتضاربها أحيانًا.

٢٠ / ٥٣