دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٢بسم الله الرّحمن الرّحيم
المقدّمة
إنّ أشهر ما نقل من النّصوص النّثرية، ممّا ينسب إلى أدب ابن دريد (223 – 321هـ) أحاديثه، التي اختار فيها طريقة جديدة في تقديمها. وقد وجّهها للنّاشئة بخاصّة، ثمّ لعامّة النّاس؛ ليعرّفهم بأصول اللّغة والأدب العربيين، ويطلعهم عل بعض النّوادر وتاريخ العرب وآثارهم … يرجّح الدّكتور أحمد درويش أنّ كثيرًا منها لم يصلنا، ضاع منها ما ضاع، وقد يكون بعضها لم يدوّن أصلاً.(1)
هذه الأحاديث، رغم ما قدّم فيها أو حولها من دراسات جادة في حاجة إلى دراسات معمّقة متأنّية، وإلى قراءات متنوّعة متعدّدة؛ لما أثارته من جدل ونقاش كبيرين عميقين، ولما أفرزته من آراء متباينة، ونظرات مختلفة، وتقويم متنوّع النّتائج، ومتباين أحيانًا، ولما بقي فيها غامضًا، يحتاج إلى فكّ ألغازه. ولما يستوقف الباحث فيها من انطباعات وملاحظات وإشكالات، بما يبعث المتعة والنّكهة في مزيد الغوص في أعماقها، وسبر أغوارها …
هده الأحاديث وصلت إلينا مدوّنة في كتاب الأمالي لأبي عليّ القالي، التّلميذ المباشر والوفيّ لابن دريد. وقد عدّه الدّارسون المصدر الأوّل والوحيد لها، مع ورود بعضها في كتب أخرى، لكن بنسبة قليلة. يقول أحمد درويش: " … لكنّ المصدر الرّئيسي في هذا اللّون من المؤلّفات دون شكّ، يتمثّل في كتاب الأمالي لأبي عليّ القالي، التّلميذ المباشر لابن دريد. والذي حمل معه كثيرًا من علم ابن دريد مدوّنًا في الصّدر أو القراطيس، وأملى على شهود مجلسه أيّام الخميس في مسجد قرطبة كثيرًا من الرّوايات والأخبار المنسوبة لابن دريد، مشفوعة بوفاء التّلميذ واحترامه للأستاذ … وقد مثّلت الأحاديث المنسوبة إلى ابن دريد نحو ثلث كتاب الأمالي، وتردّد اسم ابن دريد في معظم صفحات الكتاب تردّدًا يذكر بشيوع اسم سلفه الخليل بن أحمد على صفحات الكتاب لسيبويه. "(2)
(1) - ينظر أحمد درويش، ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، نشر الهيئة العامة للرّياضة والأنشطة الشّبابية، سلطنة عمان، (ب. ت)، ص: 97.
(2) - المرجع السّابق، ص: 129