دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٢٤فتًى شَعْشَع يُروي السّنانَ بِكَفِّه … وَيَجْمَعُ للمَولَى العطاءَ مع النَّصرِ
قال: فكأنّي والله زَبَرْتُ الأبيات في صدرها، فما زالت تنشدها وتصلح طعامي حتَّى قَرَتْني ورُحتُ من عندها، "
هذا الحديث يحمل دلالات كثيرة، يقف عليها المتأمّل فيه بقدر ما يتمكّن من قراءة ما ورد فيه قراءة متأنّية، وبقدر ما يسعفه ذكاؤه من الغوص فيه والاستنباط. نحن نقول باختصار: إنّ الحديث يكشف عن جانب الضّعف في الإنسان، وهو يتعرّض لمصيبة، وبخاصّة المرأة. ويبرز وجهًا آخر للمرأة، وهو جانب الضّعف، مقابل جانب القوّة الذي برز في الحديث السّابق. فيه أيضًا الجانب النّفسي الذي يبحث عنه المرء المكلوم ليسلو به، ويخفّف عن نفسه، وهو ما طلبته المرأة من اللّوذعي، الذي تفرّست فيه القيام بهذا الدّور، وقد أحسن الأصمعي الحاذق في اختيار الأبيات المناسبة للحالة التي عليها المرأة. في الحديث أيضًا إبراز لإحدى مكارم الأعراب، وهي إكرام الضيف، مهما تكن الحالة التي يكون عليها المرء، فحزن المرأة على فقيدها لم يصرفها عن قرى الضّيف النّازل عليها …(1)
3 – أعرابية تثني على زوجها.(2) قال أبو علي القالي: " وحدّثنا أبو بكر – رحمه الله – قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: وصفتْ أعرابية زوجها بمكارم الأخلاق عند أمّها فقالت: يا أمَّهْ، من نشرَ ثوبَ الثّناءِ فقد أدّى واجب الجزاء، وفي كتمان الشّكر جُحودٌ لما وجب من الحقّ، ودخول في كفر النّعم، فقالت لها أُمُّها: أيْ بُنَيّة، أَطَبْتِ الثَّناء وقمت بالجزاء، ولم تضعي للذّمّ موضعًا، إنّي وجدتُ مَنْ عَقَلَ لم يعجل يذمٍّ ولا ثناءٍ إلاّ بعد اختبار، فقالت: يا أُمَّهْ، ما مدحتُ حتّى اختبرتُ، ولا وصفتُ حتّى عرفتُ."
يوصي هذا الحديث بأمور مهمّة في حياة النّاس، وفي علاقاتهم فيما بينهم. الأوّل: الوفاء لمن تربطنا به علاقة متينة، كعلاقة الزّواج، الميثاق الغليظ، كما سمّاه عزّ وجلّ في كتابه الكريم. الثّاني: والمدح والثّناء لا يكون إلاّ بعد النّظر في الأخلاق الحميدة. الثّالث: الحكم في كلّ الأمور لا يكون إلاّ عن بيّنة، وتقدير
(1) - الرّضفة: الحجارة المحماة. الهيض: الكسر. يتأرَّى: ينتظر ويترقّب. وحر الصّدر: غيظه وفعله. شعشع: طويل. زبرت: كتبت.
(2) - المصدر السّابق، ص: 221.