خطبة وداع رمضان
الجزء ١ · صفحة ٢٤23
الوَدَاعَ - عباد الله - الوَدَاعَ، إِنَّ شَهْرَ رمضان وَلَّى وانصَرَمَ وامْتَحَقِ، وتشتَّتَ نِظَامُه بعد أن كان اتَّسَق، فكأنّكُم به قد رَحَلَ وانْطَلَقِ، يَشْهَدُ على مَن أطاع وعلى مَنْ فسق، فأَيْنَ الحُزْنِ لِفِرَاقِهِ وأَيْنَ القَلَقِ؟ ما كانَ أَشْرَفَ زمانه بين صَوْمٍ وسَهَر! وما كان أصْفَى أَحْوَالَهُ مِنْ آفَاتِ الكَدَر! وما كان أطْيَبَ المُنَاجَاةَ فيه بَيْنَ وَسَطِ اللَّيْلِ والسَّحَرا وما كان أَرَقَّ القُلوبَ فيه عند اشتغالها بالآيات والسُّوَرَ، وما كان أَضْوَاً لآليه في لَيَالِيه!
ويا لَيْتَ شِعري مَنِ الذي قام بواجباته وسُنَنِه؟ ومن الذي اجتهد في عِمَارَةِ زَمَنِهِ؟ ومَن الذي أَخْلَصَ في سِرِّهِ وعَلَيْهِ؟ ومَن الذي قَرَعَ فيه بابَ التوبة؟ ورَجَعَ فيه بِحُسْنِ الأَوْبَة. فيا أيُّها المَقْبُولُ هنيئًا لك بثوابه، وبشرى لك إذا أمنك ربُّ العزة من عِقَابِه، وطوبى لك إذا استخلَصَكَ لِبَابِه، وفخرًا لَكَ حين اختصَّكَ لِكِتَابِه، فاجتَهِدُ في بَقِيَّةِ هذا الشهر قبل ذَهَابِه، فرُبَّ مؤمل له البقاء، فحالَ بَيْنَهُ وإِيَّاه حَائِلُ اللقاء، ورُبَّ داخِلٍ فيه يرجو إِثْمَامَه، فحَالَ بَيْنَهُ وَإِيَّاهُ وَلَمْ يَبْلُغْ مَرَامَه. ويُوجَدُ عن صحابة رَسُولِ الله صَلَّى الله عليه وسَلَّمَ أنَّهم كانوا يقولون في الرَّبِيعَيْن والجُمَادَيَيْنِ ورَجَبٍ وشَعْبان: اللَّهُمَّ لَفَّنا صَوْمَ شهر رمضان. وفي شوّال و [ذي] القِعْدَةِ وذي الحِجَّة ومُحرَّمِ وصَفَر اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ منا صَوْمَ
رمضان.
انظروا كيف كان حِرْصُهم واجتهادهم، ويَحِقُ ذلك لَهُم ولِمَنْ كان على مِنْهَاجِهِمْ، لأَجْلِ حُرْمَةِ الشَّهْر المبارك، إذ هُو سَيِّدُ الشُّهور والأزمان، وهو مَوْسِمُ الطاعات، تُفتح فيه أبواب الجنان، وتَتَزَخْرَفُ فيه من الحَوْلِ إلى الحَوْلِ