مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية محمد بن صالح ناصر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٧٤

الصحابة، وبالذات من حبر هذه الأمة وعالمها عبد الله ابن عباس الذي حمله في صدره وبشر به في أقضيته وفي فتياه، والذي أجمع عليه وتزاحم في تشريعاته وأصوله وفقهه ومنهجه علماء الاسلام واساطينه من أمثال جابر الله بن زيد، وأبي عبيدة مسلم التميمي وعبد بن اباض ومرداس بن حدير، والربيع بن حبيب الفراهيدي ومحبوب بن الرحيل، وطالب الحق أبي يحيى الله بن يحيى، وأبي حمزة المختار بن عوف، وبلج بن عقبة الازدي، عبد وضمام بن السائب العماني، وغيرهم كثير وكثير من خيار هذه الأمة، الذين قال الله تعالى فيهم وفي أمثالهم: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) .. وهكذا بدأت هوية هذا المذهب وملامحه، وذاتيته وشخصيته تتكامل كائنا سويا في أعماق الدنيا، وفي اغوار الحقيقة، وفي وجدان الحياة منذ ان بدأ الاسلام أول خطواته فيها، وآنئذ وضع قدمه هناك على الطريق القاصد، وفوق هذه الأرض المباركة التي تنزل فيها وحي الله على رسول الله محمد صلوات الله وسلامه عليه. ان اصالة المذهب الاباضي وصدارته لم تأت من فراغ ولم تنشأ هكذا اعتباطا، بل هيا القدر الطريق أمام هذا المذهب، وأطاب له المناخ، وأمشى في مسيرته النجاحات المواتية، وشده في تقنينه وفقهه الى المتاحات الواعدة المستقبلية، واعده اعدادا كاملا معنيا مرعيا كي يتمكن من قطع الشوط، واكمال المشوار وتطويق آماده، واقتحام احجامه وابعاده، واداء رسالة اصلاحية، استجنت واختبأت في ضميره ووجدانه، وظل يحملها حقبا متطاولة من عمر الحياة، حتى اذا شاء الله لها الظهور والولادة انفرجت عنها مشاعره واجتهاداته، وجاءت الى العالم

174