الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٦بعد نشوء هذه الفرقة وتركز قواعدها على يد صاحبها الأول في مطلع القرن الثاني ظهر منها أئمة أفذاذ برزوا في العلم والدين حتى
بلغوا دَرَجَة الإجتهاد، فسنوا لحزبهم مبادئ وقواعد خاصة، وَشَرَعُوا لَهُ فقها وأصولا في العبادات والمعتقدات تحوّلت به من حزب سياسي ومن مجرد فرقة دينية إلى مذهب سني. وذلك لأن أتباعه حافظوا على صفاء الرسالة المحمدية في أصول مذهبهم، ولم ينحرفوا عن النهج القويم الذي كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته البَرَرَةُ في سلوكهم وأمور معاشهم، ولا اقترف ولاتهم إنما، ولا مارسوا في قيادتهم ظلما، ولا أي لون من ألوان العسف التي لم يبرأ منها إلا القليل من الولاة سواهم بل إن الظلم في حقهم كان مستحيلا، لا لكونهم معصومين بل لأن رجل الدين عندهم ورجل السياسة واحد، والقائم بأمر الناس فيهم هو الإمام نفسه. وتلك هي قاعدة الإسلام في الحكم، التي
سار عليها الخلفاء الراشدون، وعليها حافظوا، ودونها نافحوا. فمن الطبيعي أن ينتشر مذهب هذا شأنه، وأن يُقبل على اتباعه أناس يبلاد المغرب ليَجِدُوا في أكنافه الأمن والكرامة، وهم مَنْ سَبَّمُوا حياة الاضطراب والظلم على أيدي الكثير من عمال بني أمية وبني العباس.
كان ظهورهم بإفريقية أوائل القرن الثاني في عهد هشام بن عبد الملك (2) الذي جدد عهد أبيه وأسلافه الأولين بالتزامه سياسة الشدة
(2) مدة خلافة هشام بن عبد الملك: 105 - 724/ 125 - 743.
- 26 -