مائة كتاب إباضي محمد كمال إمام [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٥٩

أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي مقارنة بأبي حامد الغزالي

أما

359

علم الكلام، فيرى أبو يعقوب أن الأصل فيه أن يكون حوارًا هادفًا بين أهل التوحيد فيما يتعلق بصفات الله وكمالاته، ونفي النقائص عنه، وما يليق في حقه وما لا يليق، ولكن علماء الكلام لم يلتزموا بهذا الخط، فانتقد عليهم تحويلهم مجرى هذا العلم إلى مناظرة الدهريين. أما الفلسفة والمنطق، فهو يرى أن آراء الفلاسفة ليست على صعيد واحد، ولا تصطبغ كلها بالحق، وإنما دعا إلى التفريق بين حقهم وباطلهم، فلم يكن معجبًا بالفلسفة فيمجدها بما فيها ولا متعصبًا ضدها فيطرحها كلية، بل كان موقفه وسطا. متمثلاً فيه قوله صلى الله عليه وسلم: الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو

أحق بها».

وعلى صعيد آخر فإن الوارجلاني يرى دراسة المنطق أمرًا ضروريًا، لأنه وسيلة إيضاح الحق بالقياس الصحيح المؤيد بالبرهان الصحيح، ليكون المرء على ثقة ويقين من نفسه.

وقد خاطب الله وعمل العقول البشرية بالأدلة العقلية، ويفسر أبو يعقوب الميزان في قوله تعالى: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 7] بأنه المنطق العقلي، البرهان المنطقي هو رأس العلم وغيره من العلوم فروعه، وأنه أصل

أن ويري

علوم العقلاء.

وقد تناول الوارجلاني علم التصوف، وكانت نظرته إليه تتسم بالواقعية والاعتدال، فهو ينكر مظاهر الشطحات التي ابتدعها كثير من الصوفية، ويقر التصوف النقي الذي مثله بحق وصدق الصحابة والتابعين، ومن قبلهم الرسول صلى الله عليه وسلم في تواضعه وكثرة تأمله في خلق الله، وصلته الشديدة بالله في الرخاء والبلاء. وقد مدح أبو يعقوب التصوف، ودعا إليه أحد إخوانه في رسالة له، مبينًا له سبيل الارتقاء الروحي والصفاء النفسي، واستعمل مصطلحات مثل: النظر، والتذكر، والتفكر، والتبصر.