الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٧١طبقات المشايخ بالمغرب
71
كانوا يعيشون عيشة الروح لا عيشة الجسد لا يحفلون بالقشور، ولا يميلون
إلى الترف والنعيم، بل صرفوا كامل عنايتهم إلى الاضطلاع بدين الله، إلى تصحيح العقيدة، إلى نشر تعاليم الإسلام بين الجماهير وحملهم عليها قولاً وعملاً، فانساقوا في هذه السبيل سبيل الآخرة إيثارا للآجلة على العاجلة، وساعدهم على ذلك تحررهم من مهام الملك التي تستنزف الجهود والأوقات، وتحملهم على الانغماس في الحياة المادية طوعًا أو كرها.
إنهم وإن لم يعرضوا تمامًا عن الحياة المادية إلا أنهم يحيون حياة هزيلة، لا تعدو - على عمومها - فلاحة الأرض إلى شيء من تجارة عمادها المقايضة. وإذا قدر لأحد الأشياخ مثلاً أن يكون ذا ثروة فإنه يفنيها في كفالة الطلبة الذين ينقطعون لخدمة العلم وإقامة شعائر الدين والوعظ والإرشاد احتسابًا لما يأمر به الدين ويدعو إليه القرآن الكريم. الأمر الذي حفظ للدين تعاليمه. وللعلم حقائقه. ولحسن السلوك منهاجا، فكثرت جيوش العلماء وكثر تنقلهم من ناحية
إلى أخرى.
وإصلاحًا لذات البين وتصحيحًا للأخطاء، وقيامًا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على صعوبة المواصلات، وبعد المسافات، ناهيك أنهم كانوا يسافرون في قوافل من العلماء بتلاميذهم ومعهم مدرستهم المتنقلة.
للنساء،
وتتألف هذه المدرسة من أقسام قسم للصلاة، وقسم للشيخ، وقسم وبيوت للتلاميذ، وكل ما يخصه إلى آخر ما تستلزمه هذه الحركة. والحق أنهم أوتوا صبرًا عجيبًا على مجابهة خشونة العيش، وترك حظوظ النفس إرضاءً لربهم واستعدادًا لحمل الأمانة التي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان.
يقصرون أول حياتهم على التعلم حتى إذا ما نبغوا تصدوا للتعليم، وعقد الرحلات للدعوة إلى الله وتفقد أحوال المسلمين ورأب صدعهم، وجمع