مائة كتاب إباضي محمد كمال إمام [دارس عن الإباضية]

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٩٥

المدونة الكبرى

95

فالهدف الذي سعى إليه صاحب المدونة هو الحفاظ على فقه الأئمة الأوائل ممن أدركهم أو أدرك تلاميذهم، مع التركيز على فقه الإمام أبي عبيدة. وعليه فاعتبار أعمال أبي غانم المصدر الأساسي للمذهب الإباضي من الناحية الفقهية أمر لا غبار عليه؛ إذ لا شك أن الفقه الإباضي تبلور على يد أبي عبيدة وتلاميذه، ومن جاء بعدهم إنما سار على ضوء أقوالهم من دون الجمود عليها، وهذا ما يلحظه الباحث في الفقه الإباضي.

وهذا الأمر يعطي للمدونة قيمة علمية عالية لا يضاهيها كتاب فقهي إباضي آخر إلا ما جاء من رسائل متفرقة لبعض الأئمة الأوائل، وجمع رسائل هؤلاء مع مدونات أبي غانم والفتاوى التي نقلت الأئمة. عن

إن للمدونة أهمية عظيمة لكونها تبين لنا الصورة الواضحة للفقه الإباضي في بداية عهوده، قبل أن يتأثر بالمدارس الفقهية الأخرى، بل قبل أن يتأثر بآراء الذين جاءوا بعد ذلك من الإباضيين أنفسهم.

كما أن المدونة وأمثالها هي المصدر الأساسي لمن أراد أن يستنبط أو يطلع على منهج المدرسة الفقهية الإباضية خالية من تدخل الفقهاء اللاحقين سواء ترجيحا أو تعليقًا أو زيادة فلدى الباحثين مجال خصب لمعرفة منهج الإباضية في التفاعل مع القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية وفي رأيهم في النسخ والإجماع، وفي موقفهم من مذهب الصحابي، وفي قضية التعامل مع المخالفين في الرأي، وفي استعمالهم للمصطلحات العقدية والأصولية والفقهية، وفي منهجهم في الفتوى، وفي طرق الترجيح، وفي الجرح والتعديل، وفي استخدامهم لأدوات الفقه المقارن مبكرًا، وغير ذلك من المسائل الكثيرة والمهمة. وللمدونة أهمية أخرى هي أنها كتاب تفقه ومطالعة وتربية؛ لإيراد أبي غانم كل الأجواء التي تحيط بالمسألة من حركات وانفعالات وإيماءات مما يضفي

منهج

على كتابه نسمة من الحيوية قلما توجد في كتاب فقهي آخر.