الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٧٠470
مائة كتاب إباضي
وكانت البيئة المحلية التي نشأ فيها الشيخ أطفيش بعيدة كل البعد عن اللسان العربي الفصيح بالإضافة إلى أن المدة الزمانية في الدراسة لا تزيد في اليوم على ثلاث ساعات في أحسن الحالات؛ نظرًا إلى أن المعلمين المتطوعين الذين يدرسون في تلك الكتاتيب جلهم يعملون في حقل الفلاحة أو البناء أو التجارة لكسب قوتهم اليومي.
وقد غرس الأساتذة في محمد بن يوسف أطفيش الإسلام العملي الصحيح، والفضيلة الأخلاقية، وحب الاطلاع، ثم صقلوا مواهبه الذكية ودوافعه الجياشة نحو الأصعب؛ لأن نفسيته كانت تسعى إلى طلب المعرفة الشاملة، والكشف عن حقائقها.
فلم يجد هذه البغية الشريفة إلا عند أخيه الكبير الشيخ إبراهيم بن يوسف لما رجع من المشرق العربي؛ فشرع ينشر معارفه الدينية والعقلية والاجتماعية والعلمية في بني يزقن.
وعندما
رجع أخوه الشيخ الحاج إبراهيم من المشرق من عُمان ومصر وهو مملوء الوطاب وبأوسع المدارك، إذ احتضنه تعليمًا وتثقيفا، فوجد منه بحرًا زاخرًا عذبًا يروي غلته من العلم والمعرفة، فأخذ حظه منه في سائر الفنون، ثم تفرغ للتدريس والتأليف وصرف قوة شبابه فيهما إلى آخر عمره.
وقد أعطاه أخوه كل كتبه التي أخذها من المشرق، فدرسها دراسة مستفيضة، معتمدًا على نفسه، دون أستاذ، حتى تمكن فيها كل التمكُن، ففقه مسائلها واستطاع أن يدرك كل المشاكل الموجودة فيها، لغةً ونحوا وفقها ومنطقًا.
ولا أدل على ذلك من نبوغه في النحو ومشاكله، بحيث استطاع أن ينظم كتاب «المغني لابن هشام في خمسة آلاف بيت وعمره لا يزيد على ست
عشرة سنة.