دلالة الألفاظ على المعاني لعبد الله الرويشدي
الجزء ١ · صفحة ١١٠إننا عندما ننظر إلى الكلمات التي هي حقائق نجدها تتفرع وتتوسع وكأنما يطلب من ألفاظها استيفاء المعاني، ولكن المعاني لا تنتهي وتلد من لداتها ما يبقي الذكرى ها بعدها، فهي بالاشتقاق وبغيره تتوسع، وإلى لغوية وعرفية وشرعية تتنوع وما المجاز إلا توسع في الحقيقة، لأن الألفاظ الحقيقية تمضي لسننها المعروف فلا يبقى ثمة وجه لتقوية الحقيقة المرادة منها بالاتساع أو التوكيد أو التشبيه إننا إذا تدبرنا المأثور من ألفاظ اللغة وجدناه في الجملة لا يخلو من ثلاث: الارتجال أو الاشتقاق أو النقل على وجه من وجوه المجاز، وهذه الثلاث هي الطرق التي تقلبت عليها اللغة.
والوضع بالمجاز يعتبر اشتقاقا معنويا، ما لم يتهيأ للعرب أخذه من طرق الاشتقاق أخذوه بالنقل من طريق المجاز، وبذلك وسّعوا لغتهم من جهات:
(1) الإكثار من الألفاظ وتعدّد الوضع الواحد تفننا في التعبير، كما تسمى الخوذة بالبيضة، والمطر بالسماء، والنبات بالغيث ونحو ذلك.
(2) التذرع إلى الوضع فيما لم يوضع له لفظ من المحسوسات، كتسمية البياض في العين بالكوكب، وغضروف الأذن بالمحارة، وكقولهم: ذؤابة الرحل، للجلدة المعلقة على آخره، وعنق الإبريق، وساق الشجرة، وإبط الوادي، ونحو ذلك.
(3) التذرع إلى الوضع لتمثيل صور المعاني، كقولهم: نبض البرق إذا لمع خفيفا من نبضان العرق وسبح الفرس إذا مدّ يديه في الجري كما يفعل السابح في الماء، ورنّقت السفينة، إذا دارت في موضع واحد لا تمضي من ترنيق الطائر، وهو أن يخنق بجناحيه، ويرفرف ولا يطير.
(4) الرمز إلى حقائق المعاني، كقولهم: سافر ولا ظهر له: أي ولا دابة يركب ظهرها، وفلان يملك كذا رقبة، أي عبدا وقطع الأمير اللص أي: قطع يده، وبزلتُ الخمر أي: ثقبت دنّها، وهلمّ حرّا.
وهذه الجهات الأربع الأصلية تجمع أنواع المجاز، وكل ما يحصل على هذه الأنواع ثم هي معان تشبه أن تكون تاريخية في حركة النمو والاتساع من هذه اللغة3.
… ((