دلالة الألفاظ على المعاني عبد الله بن علي بن سالم الرويشدي

دلالة الألفاظ على المعاني لعبد الله الرويشدي

الجزء ١ · صفحة ٨١

ودعواه بأن المجاز لم يعرف بمعناه الاصطلاحي، إلا بعد انقضاء القرون الثلاثة مردودة، فلقد ذكرنا سالفا أن أول من ذكر المجاز أبو زيد القرشي الذي توفي عام 170 هجرية، ووقفنا على كلمات تؤدي معنى كلمة المجاز، فسيبويه مثلا وهو إمام النحاة يستعمل كلمة (التوسع) ففي الكتاب لسيبويه:( ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى:) واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها ( 22 إنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية كما كان عاملا في الأهل لو كان هنا، ومثله ( بل مكر الليل والنهار) 23 وإنما المعنى: بل مكركم في الليل والنهار24 والأول سماه المتأخرون المجاز بالحذف، والثاني جعلوه نوعا من المجاز العقلي، وغير سيبويه من رواة اللغة كالأصمعي وأبي عمرو وأبي زيد الذين كانوا يسمون المجاز بالبديع كما نص على ذلك الجاحظ في البيان والتبيين25 وجميع هؤلاء كانوا يعيشون في القرن الثاني الهجري، بل قال أحد الكتاب أنه وقف من شعر أبي تماما على ما يثبت أن هذا التقسيم كان معروفا في أوائل القرن الثالث الهجري، فهو يقول في وصف الخمر:

لقد تركتني كأسا وحقيقتي = مجاز وصبح من يقيني كالظن26

ثم إن التأويل المجازي يصرف اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر خلاف الظاهر قد عرف من القرن الأول، وكثر تطبيقه على آيات الذكر الحكيم عند الثقات من علماء الأمة، ومن ذلك ما نقله العلامة ابن كثير عن ابن عباس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهما أولا " المرض " بالشك من قوله تعالى: ) في قلوبهم مرض ( 27، وقال قتادة في قوله تعالى:) يوم يكشف عن ساق ( 28، عن شدة29. ومثل هذا عند كثير.

٨١ / ١١١