الإباضية بالجريد
الجزء ١ · صفحة ١٣مقدمة
(الجريد) يحتل مركزا حضاريا هاما، حيث كان معبرا صحراويا بين المشرق والمغرب وبلاد السودان، والطبيعة الجغرافية والبشرية لذلك الموطن اهلته ليكون مركزا التفتح والاخذ والعطاء، مما سمح في العهد الاول الاسلامي ان تظهر به جميع التيارات الفكرية والمذهبية، من سنية واباضية وشيعية، في قوة وحيوية وحماس. وان ما كان من تعاشر بين مختلف الفرق ومختلف النزعات في حرية وتنوع، يرجع الى طبيعة سكان منطقة (قسطيلية)، وما جبلوا عليه من تشبع بالحرية في المعتقد والتصرف وعدم التدخل في شؤون الغير، ولما عرفوا به وامتازوا به من خيال واسع خصب وذكاء مفرط حاد .. ولعل الطبيعة في جهة (الجريد) كان لها الأثر المحسن في صقل وتثبيت تلك الصفات في اهله المذين يشعرون باستقلالهم الذاتي، لما توفره لهم واحاتهم من امن وخير وسط صحراء مقفرة قاحلة. فالواحات ومياهها المعذبة الجارية المنسكبة كاللجين في خرير لطيف مهدهد والحدائق الغناء وما يتوفر فيها من ظل ممدود ونعيم غير محدود وصفاء سماء ورقة هواء مع هدوء مريح للمنفس لا يقطعه الا شدو البلابل الجميلة وترديد هديل الميمام او موجات الالوان المتناسقة من الاشجار المثمرة والزهور الجميلة والرياحين العابقة المتنوعة الملتفة تحت اشجار النخل الباسقات التي ترتفع في سمو واعتداد. تلك الجنات يسرح فيها المنظر فيتيه في هذا التناسق والتشابك الغير المتناهي ويشعر الانسان انه الانسان يعيش بطبيعته
-1 -