الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٥٧٤وإذا كان الغرور هو مصدر إهلاك الإنسان، فإن غروره بالعلم أيضاً قد يكون مصدر لهلاكه، إذ الله تبارك
وتعالى قال عن قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [القصص: 78]، وقد كان ذلك سبباً لهلاكه، فهكذا يجب
أن
يعتبر
المعتبرون. والإنسان يجب عليه كما زادت نعمة الله - تبارك وتعالى عليه أن يكون أحسن خلقاً
وأطيب معاملة، وأصفى سريرة، ليس للإنسان أن يتعالى بأن أوتي علماً، أو أوتي مالاً، بل يجب أن تجعله هذه المواهب الربانية يتطامن ويطأطئ رأسه ويعامل الآخرين معاملة رقيقة حسنة.
—
أسباب انتشار الدعوة بالأخلاق
على أن هذه الدعوة التي بعث بها النبي (صلى الله عليه وسلم) ما كان من أسبا انتشارها إلا ما كان متصفاً به عليه أفضل
الصلاة والسلام - من الصفات الحميدة والسجايا الحسنة التي مهدت لهذه الدعوة حتى وصلت إلى حيث
الله
وصلت، ونجد أن الله -تعالى- يخاطب النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو أشرف الخلق، وهو بين جيل هو أشرف الأجيال وأطهرها جميعاً، جيل المهاجرين والأنصار الذين أثنى الله -تعالى- عليهم في كتابه عندما قال: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: 29]، لنرى أن الله تعالى - يخاطب النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو أشرف الخلق، وهو بين ذلك الجيل العظيم القدر العلي المنزلة فيقول له: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]، فلو كان صلى الله عليه وسلم قاسى المعاملة خشن الأخلاق لانفض أولئك الذين هم خير القرون من حوله، ولاستحالت الصلة بينه وبينهم إلى فطيعة، فكيف بغيره صلى الله عليه وسلم؟ وكيف بمن
يعامل جيلاً آخر غير ذلك الجيل؟
573