الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٥٧٦واللطف، إذ ما دخل الرفق شيئاً إلا زانه وما دخل العنف شيئاً إلا شانه فيجب أن تكون أخلاق المؤمنين
جذابة، تدعو إلى الحق وإلى الإسلام أكثر مما تدعو إليهما ألسنتهم، والله تعالى- ولي التوفيق.
أ المحاور: قضية الأخلاق الموروثة
البعض عندما يريد أن إنساناً بالأخلاق السيئة يقول هذا نشأ في ظل أبوين قاسيين غليظين، لذلك
يسم
فهذه هي طبيعته ورثها عن أبويه، فهل تستطيع الأخلاق الإسلامية أن تغير هذه الطبائع، فتحول ما نشأ عليه هذا الإنسان إلى طبائع أخرى؟
إن الإيمان يحول الإنسان من طبع إلى طبع، ومن مسلك إلى آخر، ومن جبلة إلى جبلة أخرى، فالإيمان هو الذي يجعل الإنسان يستعلي على ما كان متصفاً به من قبل إيمانه، وهذا ما نشاهده في القرآن الكريم، فإن القرآن الكريم يتحدث عن سحرة فرعون ويحكي عنهم كيف كان طعمهم ونظرتهم إلى الحياة المادية، وكيف كان طموحهم إلى أن ينالوا المكاسب التي كانوا يسعون إليها من وراء سحرهم، فهم الذين قالوا لفرعون كما حكى الله عنهم: أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء: 41]، ما كانوا ينظرون إلا إلى حطام هذه الحياة الدنيا، ولكنهم بالإيمان تحولوا فجأة إلى طبائع غير طباعهم، وإلى أخلاق غير أخلاقهم، وإلى مقاييس غير مقاييسهم، فهم الذين قالوا لفرعون نفسه بعد أن تهددهم لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه: 72].
وكذلك بالنسبة إلى المهاجرين والأنصار، فالعرب كانوا معروفين بقسوة القلوب وبغلظة الأكباد نتيجة الحروب الطاحنة التي كانت تأكل الأخضر واليابس عندهم، والأحقاد التي يتوارثها الجميع، يرثها الأولاد والحفدة عن الآباء والأجداد، إلا أن الإسلام رقق طباعهم، وهذب أخلاقهم، وغير مشاعرهم وأحاسيسهم، فكانوا يختلفون تمام الاختلاف، يكفي ما كان يحكى عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مما كان في جاهليته من الغلظة والشدة، كيف تحولت طبيعته إلى طبيعة أخرى عندما أكرمه الله سبحانه وتعالى، فكان رقيق الحاشية،
575