الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج علي بن محمد بن محمد الصلابي [دارس عن الإباضية]

الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٥٩٢

بالقضاء والقدر من شأن الضعفاء، والأقزام، أما المؤمن القوي فهو نفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا

يرد.

ومعنى ذلك أن المسلم مطالب بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحرص على تحويل الناس من الفساد إلى الصلاح، ومن الاعوجاج إلى الاستقامة ومن الضلال إلى الهدى ومن الغي إلى الرشد، ومن الانحطاط إلى الرقي، وذلك ما لا يتم أبداً إلا إذا كان هو صورة إيجابية تمثل الإسلام وتجسده كما كان ذلك عند السلف الصالح، ثم لا يكون ذلك أبداً إلا مع التزامه بقيم الإسلام ومواريثه وأفكاره واعتزازه بتاريخه وتراثه، فإن ذلك مما يجعله مؤثراً لا متأثراً وقائداً لا منقاداً، أما مع كونه الإنسان يتزلزل ويتزعزع ويستجيب لكل داع، ويتأثر بكل مؤثر، ويستفزه كل ما يلوح له؛ فإن بطبيعة الحال يدعو الناس إلى عدم الثقة به حتى ولو هو إلى المكرمة أو نادى بخير وإصلاح ما دام هو نفسه بهذه الحالة.

دعا

ونحن نرى أنّ الرسول) ربى هذه الأمة على الاعتزاز بمواريثها وبأفكارها وبتاريخها وبكل قيمها وفضائلها، رباها على اعتزازها بصلتها بالله تبارك وتعالى - فلذلك كان يحذر هذه الأمة من التأثر بأي شيء مهما كان حتى في الأمور العادية، وهو نفسه صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على التزام ذلك كما جاء ذلك عنه- فقد كان من شأنه عندما يدفن ميتاً أن يقوم ويظل قائماً، ولكن بينما كان قائماً صلى الله عليه وسلم وكان أصحابه قياماً، مرّ بهم أحد أحبار اليهود وقال: هكذا نصنع، فقعد النبي (صلى الله عليه وسلم)، وأمر أصحابه بالقعود وقال: "خالفوهم خالفوهم" رواه أبو داود والترمذي)، هذا لئلا يتأثر المسلم في سلوكه، لأن التأثر يؤدي إلى التأثر في العبادات، ويؤدي إلى التأثر في العقيدة، ويؤدي إلى التأثر في الشخصية الإسلامية بحيث تصبح شخصية مضطربة متزعزعة، ومن تقهقر خطوة واحدة تقهقر بعدها خطوات، لذلك كان المسلم مأموراً أن لا يتقهقر أبداً أمام أي تيار من التيارات، وأن يظل صامداً متمسكاً بإيمانه حريصاً على عبادته لربه، وحريصاً على تميزه في أعماله وأقواله وفي عقيدته، وتصوراته وفي عاداته وعباداته وفي سلوكه وأخلاقه، وفي مظهره

591