أبو يعقوب الوارجلاني أصوليًا: دراسة لعصره وفكره الأصولي مقارنًا بأبي حامد الغزالي مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا

الجزء ١ · صفحة ٥٢٥

من أحد الوجهين مكروها من الوجه الآخر، وإنما المحال أن يطلب من الوجه الذي يُكره بعينه، وفعله من حيث إنه صلاة مطلوب، ومن حيث إنه غصب مكروه، والغصب معقول دون الصلاة والصلاة معقولة دون الغصب، وقد اجتمع الوجهان في فعل واحد» ().

وجزم أبو حامد أن المسألة قطعية لا اجتهادية، لثبوت صحة هذه الصلاة بالإجماع، وهو سابق لقول الحنابلة فإنه لم يبلغنا أمر العلماء للظالمين بقضاء صلواتهم في الأرض المغصوبة، ولو وقع لاشتهر (2). ويطرد في هذا الباب مسائل كثيرة، كالصلاة بثوب مغصوب،

والوضوء بماء مغصوب، والذبح بسكين مغصوبة، وغيرها. بل يتجاوز الوارجلاني فيقول: «وهو من الأمور المعفو عنها لهذه الأمة، وكثير من الأمور المنهي عنها أجزناها، وأبطلنا بها كثيرا من الأمور الصالحات، كطلاق البدعة والحج بالمال الحرام، وإخراج الزكاة من المال الحرام، وهذا كله إن تاب وراجع وأدّى، واصلح أن ليس عليه إعادة» (2). ونميل في الترجيح إلى هذا التفصيل لتماشيه مع روح الشريعة التي

تراعي التيسير، ولعدم ورود دليل شرعي يلزم ببطلان كل منهي عنه، فإن كان النهي لذات الشيء أو وصفه الملازم ترتب عنه البطلان، وإن كان لوصف مجاور يمكن انفكاكه عن المنهي عنه يسرنا على الناس، ولم نرهقهم بإبطال تصرفاتهم بسبب ما شابها من صفات منهي عنها، وندعوهم إلى إزالة ما ارتكبوا، والتوبة عما اقترفوا، وليس لنا بعد عليهم من سبيل. كيف وهو ما لم يفعله سلف الأمة إذ كاد ينعقد إجماعهم على

(1) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 77.

(2) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 79.

(3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 119.

-019 -