أبو يعقوب الوارجلاني أصوليًا: دراسة لعصره وفكره الأصولي مقارنًا بأبي حامد الغزالي مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا

الجزء ١ · صفحة ٥٢٨

تمهيد: حقيقة التعارض بين الأدلة ووجوده

يقصد بالتعارض بين الأدلة الشرعية تناقضها وتدافعها، وذلك بأن يقتضي دليل شرعي حكما معينا في مسألة معينة، ويقتضي دليل آخر حكما آخر مغايرا في المسألة نفسها.

وهذا التعارض غير موجود في حقيقة الأمر، ولا يمكن وجوده، لأن وحدة المصدر التشريعي، وكون المشرع هو الله العليم الحكيم يستلزم اتساق الأدلة وانسجامها، وهو ما يفيده قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ

وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فيه اختلافاً كثيراً [سورة النساء:82]. وأدلة الشرع نصبت لإفادة الأحكام ومطالبة المكلفين بالعمل بمقتضاها، وتنظيم شؤون حياتهم الخاصة والعامة وفق نصوص الشريعة وقواعدها.

ووقوع التعارض يحول دون تحقيق هذه الغاية الأساسية من التشريع، إذ يؤدي إلى التناقض والتجهيل، وإيهام المقصود وفوات شرط التكليف، وهو ما لا يجوز في الشريعة الإسلامية، أكمل الشرائع وأحسنها وأصلحها للبشرية قاطبة (1).

وإذا ما رأينا بين نصوص الكتاب والسنَّة تعارضا، فهو أمر ظاهري يعود إلى قصورنا في الفهم وعدم إحاطتنا بأدلة المسألة، دلالة تلك ووجوه النصوص على معانيها، إذ إن النصوص غير متساوية في قوة دلالتها وفي شمولها، وهي أيضا لم ترد دفعة واحدة، فقد تتابع نزول القرآن وورود السنة طيلة فترة الوحي، التي امتدت ثلاثا وعشرين سنة، كانت أحكام التشريع تتوالى في هذه السنين حسب ما تقتضيه حكمة المشرع ومصلحة

-

(1) - زيدان الوجيز في أصول الفقه، ص 344.

-5220

-