رحلة نضال: لمحات من حياة وفكر الشيخ محمد علي يحيى معمر (فتحي الباروني) خالد علي إبراهيم إبراهيم

رحلة نضال

الجزء ١ · صفحة ٨٦

النبوغ العلمي والثراء المعرفي

مما يمكن الإشارة إليه في الملامح الفكرية في سيرة الشيخ محمد أحسن الله مثواه، أنّه كان باحثًا جادًّا؛ له سعة في الاطلاع؛ وقدرة على التحليل والنقد والبناء؛ إذ كان يمتلك أدوات البحث رغم الأحوال التي عاشها؛ فمن كان مكانه فارًا من السجن؛ مختبئًا وراء اسم حركي؛ متكتمًا عن كنهه وهويته إلا لخاصة الخاصة؛ يَحار المرء من تفرغه للقراءة والبحث والتنقيب، يقول الأستاذ مصطفى القويري: " (ترابٌ يشيع ترابًا) كانتْ هذه العبارة أول مرة أسمعها من أعز أصدقاء (محمد علي يحيى معمر) قبل أن يصرعه ماء البحر غرقًا، ثم يضمه تراب القبر شهيدًا، وكان ترديدها يعني عنده أنّ الموت ليس قضية ينشغل بها الإنسان؛ بل هو قدر يتقبله بالرضا والاطمئنان، بعد أنْ يدفع ما عليه من واجبات الإحسان، كان ينسبها للكاتب الكبير (عباس محمود العقاد) مما يدل على أن شهيدنا كان قارئًا واسع الاطلاع على الحياة الأدبيّة قديمًا وحديثا، إلى جانب التعمق في الدراسات الإسلاميّة التاريخيّة والتعبديّة والمذهبيّة، بعقل مفتوح وقلب مجروح من سوء ما آل إليه أمرنا دينيا ودنيويا في ليبيا خاصة وفيما يحيط بنا من العالم الإسلامي عامة، من شر وقهر وجور وطغيان أذهب بعزة الإنسان وكرامة الحياة"(1) وهذا دليل على البعد الإيماني والوجداني الذي يحظى به الشيخ محمد ــــ رحمه الله ــــــ مما جعله يتعمق في فلسفة الموت وعلاقتها بالتراب في البدء والختام، إضافة إلى قراءته الواسعة، وتشبعه بالأدب العربي، والفكر الإسلامي، لا سيما في استحضاره لشخصية العقاد التي تعدّ رمزا للمعرفة والعلم في عصرنا الحديث.

(1) القويري، مصطفى، الشيخ فتحي في ذمة الله، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 31.