الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية
الجزء ١ · صفحة ١٨١حوقل (42)، لم تكن تجري هكذا مكشوفة في الشوارع، وانما لا يستبعد أن يكون الرستميون وهم المتضلعون في العلوم الرياضية، قد اخترعوا قنوات فخارية ناقلة للمياه خاصة وأن منطقة تيهرت مرتفعة نوعا ما، وليست على مستوى واحد، الأمر الذي يزيد في صعوبة نقل المياه بالمجاري العادية، ولعل وجود أفران الفخار وتوفر المادة الأولية، ساعدوا على صناعة هذه القنوات أو الأنابيب الفخارية المطلية، وتصميم هندسة توزيع المياه على بيوت السكان في العاصمة الرستمية وكان مثل هذا التصرف في المياه موجودا لدى الجماعة الاباضية في قرى وادي ميزاب بالواحات الجزائرية، كما أنها وجدت في زواغة المدينة النفوسية في العهد الرستمي، وقد تركت آثارا تدل على ذلك حسبما يؤكد الباروني.
ومجمل القول، إن الصناعة في العهد الرستمي رغم بساطتها أحيانا وبداوتها حينا (43) فانها كانت متماشية مع الزراعة والماشية مرتبطة بها في أغلب الأحيان، تلبي حاجات السكان في كثير من جوانبها. فلم يكن الأزدهار الصناعي اذن، بأقل من الانتعاش الزراعي (44). . والحقيقة أن الصمت الذي التزمته المصادر المتوفرة لدينا كلها تقريبا، عن هذا الجانب الحيوي في الاقتصاد، لم يساعدنا على تلمس جميع معالم تلك الصناعة، بل لقد أخفى علينا الكثير، فلم نتمكن الا من اجلاء القليل وبطريقة لا تخلو من الاستنتاج والتخمين مادمنا نفتقر الى النصوص الصريحة (45). ولعل
(42) ابن حوقل: ص 86.
(43) يذكر الاستاذ توفيق المدني أن الصناعة الرستمية بلغت شأوا بعيدا في الاتقان. أنظر كتاب الجزائر،
ص 21.
الثانية
36
(44) فيلالي عبد العزيز: جوانب من العلاقات التجارية بين الرستميين والأمويين في الأندلس مجلة سرتا، السنة، عدد 3، مطبعة البعث، قسنطينة، 1400 هـ /1980 م، ص (45) لعل ما يذكر ابن خلدون عن المصانع التي اختطها اليسع بن أبي القاسم المدراري (174 هـ ـ 208 هـ) بسجلماسة، والتي لم يحدد نوعيتها، توجد مثيلاتها بتيهرت، وهو أمر غير مستبعد، بل ربما أكثر اذ ما بلغته الدولة الرستمية من حضارة أكبر بكثير مما بلغته دولة بني مدرار بجلماسة. أنظر ابن خلدون: العبر، ج 6،
ص 268
- 173 -