الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية
الجزء ١ · صفحة ٣٩٠الفصل الخامس)
العلاقات الثقافية
ليس بخاف أن العلاقات الثقافية بين الدول، من العوامل التي تغذي الحياة الفكرية، وتبعث فيها النشاط والتنوع وهي من الأمور التي تلجأ اليها الدولة بقصد منها، أو تحدث بعوامل أخرى لادخل للدولة فيها اذ لا يمكن لأي دولة، مهما كانت، الاستقلال بفكر معين لديها دون أن تتأثر بالفكر الخارجي المحيط بها أو تؤثر فيه. فعملية التأثير والتأثر بارزة، وأبرز ماتكون في الدول العربية الاسلامية مشرقها ومغربها. فما هي العلاقات الثقافية التي ربطت الدولة الرستمية بغيرها من الدول؟ وما مدى مساهمتها في الحياة الفكرية تأثيرا وتأثرا؟
أ - العلاقات الثقافية مع بلدان المغرب العربي والأندلس لعل مركز تيهرت المتوسط في بلاد المغرب، له أكثر من دور في ربط عواصم المغرب العربي ببعضها، تماما مثلما ربطها في التجارة (1). ومن المعلوم أن الثقافة كثيرا ما كانت بضائع في رحال التجار. وكثيرا ماكان العالم ينتقل مع قوافل التجارة، أو يمتهن التجارة الى جانب ما يحمله من علم، لهذا فلا نستبعد أن تكون الحركة التجارية النشطة التي عرفتها تيهرت خاصة والدولة الرستمية عامة، قد واكبتها حركة فكرية، بنفس مستوى النشاط والحيوية التي عرفتها التجارة. ولعل وجود القيروانيين بتيهرت بمسجدهم الخاص بهم ورحبتهم (2 (2)، قد ساهموا في الحياة الفكرية
(1) أنظر دور تيهرت الاقتصادي وربطها لدول المغرب بما في ذلك الأندلس في الباب الثاني من هذه الرسالة. (2) ابن الصغير: ص 13، يقال القيروانيون كما يقال القرويون أو أهل القيروان.
-382 -