الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية
الجزء ١ · صفحة ٤١٣بالمشرق عامة والبصرة خاصة، وبالأندلس وأرض السودان الغربي، قد غذت الفكر، وساهمت في عمليتي التأثير والتأثر.
وتكاد تسكت مصادرنا عن عهد الامام الأخير، اليقظان بن أبي
ملكا
اليقظان (294 هـ - 296 هـ)، الذي لا يذكر عنه شيء، وانما يصور مخذولا قاطعه أهله، وبقي ينتظر أبا عبد الله الشيعي الذي بدأ يظهر على السياسة المغربية، وبدأت دعوة العبيديين، تتفاقم، وتشكل خطرا مسرح على دول المغرب العربي القائمة آنذاك، ثم فجأة يجتاح تيهرت ليضع حدا لتاريخها وحضارتها الرستمية، ويورثها ليتخذها منطلقا في هجومه على، حيث سيده عبيد الله المهدي مسجون هناك. وهكذا تطوى
سجلماسة
صفحة من تاريخ الجزائر الوسيط، وتاريخ المغرب العربي عامة
ومنذ سقوط الرستميين، وهروب البعض منهم الى وارجلان، وربما الى بعض المناطق الاباضية الأخرى آنذاك بعيدا عن تيهرت، دخل الاباضية منعطفا خطيرا من تاريخ حياتهم. دخلوا في الكتمان والتقية، بعد الظهور وأزهى العصور في المغرب العربي، وانتبذوا لهم مكانا في مواطن جبلية أو صحراوية صعبة، وأسسوا نظما اجتماعية وتربوية دقيقة، حافظت على بقائهم الى يومنا هذا، بل استمروا في الدعوة الى مذهبهم، فاعتنقه أهل وادي ميزاب بصحراء الجزائر، في القرن الخامس الهجري، واستمر عليه أهل نفوسة بليبيا، وأهل جزيرة جربة بتونس، وأهل وارجلان بالجزائر، ولا
يزال الكل يحمل آمال الدولة الرستمية، وينظر الى عصورها باعجاب يحمل ذكرياتها ويحتفظ بالسماح المذهبي، والمسالمة الرستمية، والتشدد الاباضي في الدين والعمل به، ويتعلقون بالعربية كما كان أجدادهم، ويقدسونها ويحتفظون بالمجلدات الاباضية في الفقه وأصوله، والسير والطبقات وغيرها. إنهم بعبارة أخرى، وعاء حضارة الرستميين الزاهرة،
ونتيجة من نتائجها
-405 -