تحطيم التجسيم
الجزء ١ · صفحة ٣٨الجسم
الإدراك يحصل في غير هذه الحال وأن ما أخبر به من رؤيته هو من هذا الإدراك الذي هو رؤية البصر، وأن البصر أدركه؛ لكن لم يدركه في نوره الذي هو نوره الذي إذا تجلى فيه لم يدركه شيء.
وفي هذا الخبر من رواية ابن أبي داود أنه سُئل ابن عباس: هل رأى محمد ربه؟ قال: نعم. قال: وكيف رآه؟ قال: في صورة شاب دونه ستر من لؤلؤ كان قدميه في خضرة، فقلت أنا لابن عباس: أليس في قوله: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَر وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) قال: لا أم لك، ذلك نوره الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء، وهذا يدل على أنه رآه، وأخبر أنه رآه في صورة شاب دونه ستر، وقدميه في خضرة، وأن هذه الرؤية هي المعارضة بالآية، والمجاب عنها بما تقدم فيقتضي أنها رؤية عين كما في الحديث الصحيح المرفوع عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت ربي في صورة شاب أمرد له وفرة جعد قطط في روضة خضراء».
الوجه الرابع: أن في حديث عبد الله بن أبي سلمة أن عبد الله بن عمر أرسل إلى عبد الله بن عباس يسأله: هل رأى محمد ربه؟ فأرسل إليه عبد الله بن عباس: أي نعم. فرد عليه عبد الله بن عمر رسوله أن كيف رآه؟ فأرسل إليه: رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة. . .، كما تقدم. وكون حملة العرش على هذه الصورة أربعة هو كذلك.
الوجه الخامس: أنه ذكر أن الله اصطفى محمداً بالرؤية كما اصطفى موسى بالتكليم، ومن المعلوم أن رؤية القلب مشتركة لا تختص بمحمد كما أن الإيحاء لا يختص بموسى، ولا بد أن يثبت لمحمد من الرؤية على حديث ابن عباس ما لم يثبت لغيره، كما ثبت لموسى من التكليم كذلك، وعلى الروايات الثلاث اعتمد ابن خزيمة في تثبيت الرؤية حيث قال: باب ذكر الأخبار المأثورة في إثبات رؤية النبي صلى الله عليه وسلم خالقه العزيز العليم المحتجب عن أبصار بريته قبل اليوم الذي يجزي الله كل نفس ما كسبت، وذكر اختصاص الله نبيه محمداً بالرؤية، كما خص إبراهيم عليه السلام بالخلة من بين جميع الرسل والأنبياء جميعاً، وكما خص موسى بالكلام. خصوصية خصه الله بها من بين جميع الرسل، وخص الله كل واحد منهم بفضيلة وبدرجة سنية
1290
38