الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٤٠٩الرائد
وكون الشخص يتردد من جبل إلى جبل في آن واحد سبع مرات شبه الحائر حاسر الرأس حافي القدم يمشي تارة ويهرول تارة على وجه لا تألفه
الطباع بل تستنكف منه، ويعد الفاعل له في غير ذلك الوقت مجنونا. ثم إن النفوس تلتَذُّ بفعله في ذلك الحال ويأخذها إذا لابسته شبه الطرب، ولا يفتر أحد من الرؤساء أو الملوك، بل يكابد في فعله مجاهدة نفس
ولا تجد له كراهية، ثم إذا انقضى وقته وتم فعله لو بذل لآحاد هؤلاء بذل على أن يأتي بمثل ذلك الفعل ولو في ذلك المحل بعينه منفكا النسك عن ومجردا عن الإحرام لم يصغ إلى ذلك، فسبحان من أذعنت النفوس لعزته، وانقادت العقول في عنان عبوديته.
ومن أهل العلم من قال إن حكمة السعي بين الصفا والمروة أن هاجر أم إسماعيل سعت بينهما السعي المذكور وهي في أشد حاجة وأعظم فاقة إلى ربها؛ لأنها تنظر إلى ثمرة كبدها إسماعيل وهو يتلوى من العطش في بلد لا
ماء فيه ولا أنيس.
وهي
أيضا في جوع وعطش في غاية الاضطرار إلى خالقها جل وعلا،
وهي من شدة الكرب تصعد على هذا الجبل فإذا لم تر شيئا جرت إلى الثاني
(1) ابن الضياء البحر العميق، ج 3، ص 1273.