رحلتي إلى الحق مسعود بن محمد بن مسعود المقبالي

رحلتي إلى الحق

الجزء ١ · صفحة ٣١٨

318

تحلى الالم

كتاب الإكراه

47

يعلم ما يراد به إذا صعد وفيه دليل أن الإكراه كما يتحقق بالتهديد بالقتل، يتحقق بالتهديد بالضرب الذي يخاف منه التلف، والمراد بالفتنة العذاب، قال الله تعالى: {ذوقوا فتنتكم) (1) وقال الله تعالى: إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات) (2) أي عذبوهم، فمعناه عذاب السوط أشد من عذاب السيف، لأن الألم في القتل بالسيف يكون في ساعته، وتوالي الألم في الضرب بالسوط إلى أن يكون آخره الموت.

وقد كان حذيفة رضي الله عنه ممن يستعمل التقية، على ما روي أنه يداري رجلاً، فقيل له: إنك منافق، فقال: لا، ولكني أشتري ديني بعضه ببعض، مخافة أن يذهب كله، وقد ابتلي (ببعض ذلك في زمن رسول الله على ما روي أن المشركين أخذوه، واستحلفوه على أن لا ينصر رسول الله في غزوة، فلما تخلص منهم جاء إلى رسول الله الله وأخبره بذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: أوف لهم بعهدهم، ونحن نستعين بالله عليهم (3) [2206].

وذكر عن مسروق رحمه الله قال: بعث معاوية رضي الله عنه بتماثيل من صفر، تباع بأرض الهند،، فمر بها على مسروق رحمه الله قال: والله لو أني أعلم أنه يقتلني لغرقتها، ولكني أخاف أن يعذبني فيقتنني، والله لا أدري أي الرجلين معاوية رجل قد زين) سوء عمله، أو رجل قديش من: الآخرة، فهو يتمتع في الدنيا، وقيل: هذه تماثيل كانت أصيبت في الغنيمة، فأمر معاوية رضي الله عنه ببيعها بأرض الهند ليتخذ بها الأسلحة، والكراع للغزاة، فيكون دليلاً لأبي حنيفة رحمه الله في جواز بيع الصنم. والصليب ممن يعبده، كما هو طريقة القياس. وقد استعظم ذلك مسروق رحمه الله كما هو طريق الاستحسان الذي ذهب إليه أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في كراهة ذلك. ومسروق من علماء التابعين، وكان يزاحم الصحابة رضي الله عنهم في الفتوى، وقد رجع ابن عباس إلى قوله في مسألة النذر بذبح الولد، ولكن مع هذا قول معاوية رضي الله عنه مقدم على قوله، وقد كانوا في المجتهدات يلحق بعضهم الوعيد بالبعض، كما قال علي رضي الله عنه: من أراد أن يتقحم جراثيم جهنم، فليقل في الحد يعني بقول زيد رضي الله عنه. وإنما قلنا: هذا لأنه لا يظن بمسروق رحمه الله أنه قال في معاوية رضي الله عنه ما قال عن اعتقاد، وقد كان هو من كبار الصحابة رضي الله عنهم وكان كاتب الوحي، وكان أمير المؤمنين، وقد أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملك بعده، فقال له عليه السلام يوماً: «إذا ملكت أمر أمتي فأحسن إليهم» [2207]. إلا أن نوبته كانت بعد انتهاء نوبة علي رضي الله عنه ومضي مدة الخلافة فكان هو مخطئاً في

(1) الذاريات: 14.

(2) البروج: 10.

(3) صحيح مسلم: 177/ 5 بتفاوت. مستدرك الحاكم: 3/ 379 بتفاوت.

فتبين بمجموع هذا أن معاوية لم يكن أهلا للرضي، بل كان باغيا منحرفا عن سواء السبيل، ولذلك اجتمعت كلمة الإباضية على البراءة منه وخلعه.