رحلتي إلى الحق مسعود بن محمد بن مسعود المقبالي

رحلتي إلى الحق

الجزء ١ · صفحة ٣٢٩

329

مع اليزيد بن معاوية

الشيطان فيهم بجرانه وغلت بدمائهم، مراجله وصدق عليهم ظنه فاتبعوه، وأقبل أنصار الله عصائب وكتائب، بكل مهند ذي رونق، فدارت رجانا واستدارت رحاهم، بضرب يرتاب منه المبطلون، وأنتم يا أهل المدينة إن تنصروا مروان يسحتكم الله بعذاب من عنده أو بأيدنا، ويشف صدور قوم مؤمنين، يا أهل المدينة أولكم خير أول، وآخركم شر آخر، يا أهل المدينة الناس منا ونحن منهم، إلا مشركاً عابد وثن أو كافراً أهل الكتاب، أو إماماً جائراً، يا أهل المدينة من زعم ان الله يكلف نفساً فوق طاقتها، أو يسألها ما لم يؤتها، فهو لله عدو، وأنا له حرب. يا أهل المدينة أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله في كتابه على القوي والضعيف، فجاء تاسع ليس له منها ولا مهم واحد، فأخذها لنفسه، مكابراً محارباً لربه، يا أهل المدينة بلغني أنكم تنتقصون اصحابي قلتم شباب أحداث، وأعراب جفاة أجلاف (1)، ويحكم فهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شبابا أحداثاً، شباباً والله مكتهلون في شبابهم، غضة (2) عن الشر أعينهم، ثقيلة عن السعي في الباطل أقدامهم، قد باعوا الله أنفساً تموت بأنفس لا تموت، قد خالطوا كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مروا بآية خوف شهقوا خوفاً من النار، وإذا مروا بآية شوق شهقوا شوقاً إلى الجنة. فلما نظروا إلى السيوف قد انتضيت)، وإلى الرماح قد شرعت، وإلى السهام قد فوقت، وارعدت الكتيبة بصواعق الموت، استخفوا والله وعيد الكتيبة لوعيد الله في القرآن، ولم يستخفوا وعيد الله لوعيد الكتيبة، فطوبى لهم وحسن مآب، فكم من عين في مناقير الطير طال ما قاضت في جوف الليل من خشية الله، وطال ما بكت خالية من خوف الله، وكم من يد زالت عن مفصلها طال ما ضربت في سبيل الله وجاهدت أعداء الله. وطال ما اعتمديها

صاحبها في طاعة الله. أقول قولي هذا واستغفر الله من تقصيري، وما توفيقي إلا بالله". ثم روى المدائني عن العباس عن هارون عن جده قال: كان أبو حمزة الخارجي قد أحسن " السيرة في أهل المدينة فمالوا إليه حتى سمعوه [يقول] برح الخفا أين عن بابك تذهب [ثم قال ع من زنا فهو كافر، ومن سرق فهو كافر، فعند ذلك أبغضوه ورجعوا عن محبته. وأقام بالمدينة حتى بعث مروان الحمار عبد الملك بن محمد بن عطية أحد بني سعد في خيل أهل الشام أربعة آلاف، قد انتخبها مروان من جيشه، وأعطى كل رجل منهم مائة دينار وفرساً عربية، وبغلا لثقله، وأمره أن يقاتله ولا يرجع عنه، ولو لم يلحقه إلا باليمن فليتبعه إليها، وليقاتل نائب صنعاء عبد الله بن يحيى. فسار ابن عطية حتى بلغ وادي القرى فتلقاه أبو حمزة الخارجي قاصداً قتال مروان بالشام، فاقتتلوا هنالك إلى الليل، فقال له: ويحك يا ابن عطية! إن الله قد جعل الليل سكناً فأخر إلى غد، فأبى عليه أن يقلع عن قتاله، فما زال يقاتلهم حتى كسر هم فولوا ورجع فلهم إلى المدينة، فنهض إليهم

(1) اجلاف: غلاظ جَفَاة. (2) غضة: محفوضة ومنحرفة. (3) انتفيت: سُلتْ ورُفعت.

38